• Wednesday, 23 September, 2020
  • 03:16 PM
الرئيسية افريقيا

أطلانطس الثانية


  • أحمد المسلماني

  • 2019-07-21 18:25:48

قال لي أحد الصحفيين في غينيا الاستوائية: إنك وأنت واقف هنا في جزيرتنا.. توجد أفريقيا إلى اليمين وتوجد البرازيل إلى اليسار. هنا يمكنك أن تلقي نظرة على الأفق.. الذي يمتدّ ليشمل القارتين الأكثر معاناة في عالم اليوم: نحن وأمريكا اللاتينية.

لقد أدّى عصر الحداثة في أوروبا إلى استنفاد الكثير من موارد القارة..  وخروج أوروبا لاستعمار العالم. كما أدّى عصر الحداثة في آسيا إلى استنفاد الكثير من موارد القارة.. وخروج آسيا للاستثمار في العالم.

في عام 2000 كان غلاف مجلة الإيكونوميست "قارة بلا أمل".. وفي عام 2013 كان غلاف المجلة "أفريقيا الواعدة".. وقال "دونالد كابيروكا" رئيس البنك الأفريقي للتنمية: "تُرى بعد عشرة أعوام أخرى.. ماذا سيكون العنوان القادم للمجلة".

يقصد رئيس البنك الأفريقي أن العنوان سيكون أفضل.. وأنّه ربما يكون "قارة الأمل" أو "أفريقيا الصاعدة". لكن الأمور لا تبدو كذلك.. فلقد مرّت أكثر من عشر سنوات.. ولاتزال أفريقيا على حالتها. وفي أحيانٍ كثيرة تبدو أفريقيا وكأنها قارة أطلانطس الغارقة.. حيث لاتزال غير قادرة على الصعود إلى السطح.. محطّمةً طبقات الماء، وتحالف الأمواج. لايزال في "القارة الغارقة" أكثر من (20) صراعًا ونزاعًا.. ما بين عرقي وديني وقبلي.. وما بين حركات انفصالية، وحروب موارد، وتدخلات خارجية.

لايزال القرار السياسي الأفريقي محدود الاستقلال.. ويتحدَّث المفكر الأفريقي "ياش تاندون" عن تلك التبعية السياسية بقوله: إنَّ الدول الغربية تشتري بعض المسئولين والمندوبين الأفارقة أثناء إدارة المسائل الدولية. إنها تستدعيهم إلى غرف تشاور خاصة تعرف بالغرف الخضراء. يدخلون إليها رافضين، ويخرجون موافقين على الاقتراحات القهرية للدول الغربية.

وحسب تعليق أحد الباحثين: إنها تشبه غرف الفئران التي يرعبون بها الأطفال.. والفئران هنا هى المساعدات الخارجية.

في أفريقيا يوجد غذاء العالم.. وحسب مؤسسات  اقتصادية دولية.. فإنَّ في أفريقيا (60%) من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلّة.. وفي الكونغو الديمقراطية وحدها يوجد (80) مليون هكتار يكفي لإطعام (2) مليار نسمة.. أي أنَّ تلك الأراضي في الكونغو تكفي لغذاء كل سكان قارات أفريقيا وأوروبا واستراليا.

في أفريقيا أيضًا.. يوجد ثلث احتياطي الثروة المعدنية في العالم.. وطبقًا لمجلة "أفريك اكسبانسيون" التي تصدر في باريس.. فإن في أفريقيا (60%) من الكوبالت، (61%) من المنجنيز، (81%) من الكروم، (90%) من البلاتين.. وفيها أيضًا خُمس احتياطيات الذهب والماس واليورانيوم.. فضلًا عن ثروة نفطية توجد في ثلاثين دولة.

في أفريقيا - كذلك- نخبة مثقفة، وفيها طبقة وسطى صاعدة.. وحركة مدن مزدهرة. في القارة (22) جائزة نوبل.. وفيها مئات الملايين من أفراد الطبقة الوسطى. وحسب "شركة ماكينزي" فإن هناك أكثر من (300) مليون شخص ينتمون للطبقة الوسطى الأفريقية.. وطبقًا لصحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية، فإن هناك حركة تمّدن واسعة..  حيث يصل سكان مدينة "ماباكو" في جمهورية مالي إلى أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، كما يزيد سكان العاصمة التنزانية القديمة "دار السلام" عن الخمسة ملايين نسمة.. أما "لاجوس" العاصمة التجارية لنيجيريا.. فيزيد عدد سكانها عن العشرين مليون نسمة.

في أفريقيا تتنافس القوى العظمى والوسطى على الموجة الجديدة من الوجود والنفوذ. وحسب تقديرات منظمة "لاند ماتريكس" المعنيّة باستثمارات الأراضي.. فإنَّ دولًا عديدة باتتْ تشتري هناك.. وتتصدّر الصين والهند مساحات الأراضي المشتراه في أفريقيا.. حيث تستثمر الهند في (1,6) مليون هكتار.. وتستثمر الصين في المساحة نفسها تقريبًا.. وأمّا اليابان فإنها تستثمر في مليون هكتار.. من الأراضي الزراعية.

لا يمكن بالطبع الخلط بين الاستعمار والاستثمار.. أو وضعهما في سلّة واحدة.. ولكن حين لا تصبح دول القارة تمتلك رؤية للاستثمار، واستراتيجية للتنمية المستدامة.. فإنَّ فرص الإفادة من الاستثمار الأجنبي لا تكون بالقدر الكافي.

إن تحقيق الاستقلال الحقيقي للقارة أمرٌ صعب.. الشمال القوى لا يساعد. إن أفريقيا بالنسبة لأغنياء الكوكب.. هى مصدرُ ثراءٍ في المواد الخام ومصدرُ إزعاج في البشر. يرغب العالم المتقدم في الطبيعة من دون البشر.. القمح واليورانيوم من غير المهاجرين واللاجئين.

كل الطرق تؤدي إلى أفريقيا.. ولكن أفريقيا بلا طريق. تبدو لي أفريقيا في أحيانٍ كثيرة.. وكأنها "أطلانطس الثانية".. قارة غارقة على السَّطح.. أو أنها بقايا قارة. تتسلّم مصر رئاسة الاتحاد الأفريقي.. مدركةً حجم التحديات ومساحات الخطر.

ليس من حلٍّ أمام أفريقيا سوى التكاتف الداخلي.. أن يعمل كلُّ أعضاء النادي الأفريقي كفريقٍ واحد.. وحسب تعبير "ياش تاندون"، فإنَّ تسونامي العولمة عنيفٌ للغاية.. وقارب إنقاذ واحد لا يكفي.. يجب أن يكون هناك أكثر من قارب في المحيط.

 

 

 

من مقال أحمد المسلماني "أطلانطس الثانية"، نقلًا عن صحيفة "الأهرام" المصرية. والنص أساس لمؤتمر علمي يعقده مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، ربيع 2020.



كلمات دالة

افريقيا، المحيط الاطلسي، الحداثة والسياسة، الإستعمار، الإستثمار

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية