• Friday, 04 December, 2020
  • 03:40 PM
الرئيسية العالم

ما بعد الأطلسي.. الإمبراطورية الأوروبية


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-17 03:17:48

تبدو أوروبا جادّة هذه المرة. لقد سبقَ للقارة أن تحدّثت عن تأسيس "الجيش الأوروبي الموحّد" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.. ثلاثة أرباع القرن والنخبة الأوروبية تتحدّث عن "الاستقلال الأوروبي" عن المجال الإمبراطوري الأمريكي. لكن الأمر لم يذهب إلى أبعد من ذلك طيلة هذه العقود.

في عام 2003.. وقفت فرنسا مع ألمانيا ضد أمريكا وبريطانيا في شأن الاستعداد لغزو العراق. وقتها هاجم وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد فرنسا وألمانيا وقال إنهما يمثلان "أوروبا القديمة".. وأن "أوروبا الجديدة" هى شرق أوروبا.

وفي عام 2018.. عادت "أوروبا القديمة" للعمل ضدّ الهيمنة الأمريكية.. وقفت ألمانيا مع فرنسا من جديد في فكرة تأسيس الجيش الأوروبي الموحّد. كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صادِمًا لأوروبا وأمريكا معًا.. حين وضع الولايات المتحدة ضمن "الأعداء المحتملين" لأوروبا. وكان الرئيس ترامب صاخبًا وهو يردّ على الرئيس ماكرون واصفًا الفكرة بأنها "مهينة جدًّا".. وأن العدو الذي ابتلع فرنسا بالفعل فيما قبل هو ألمانيا.. وأن  فرنسا بدأت تتعلم الألمانية قبل وصول الجيش الأمريكي لتحريرها وإنقاذها.

عاد الرئيس ماكرون للحديث أن ما بين باريس وواشنطن هو "تحالف" وليس "تبعية".. وكررت ألمانيا دعمها فكرة تأسيس "الجيش الأوروبي".. وأيّدت المفوضية الأوروبية في بروكسل الفكرة. وقال وزير المالية الفرنسي: "يجب أن تصبح أوروبا إمبراطورية مثل أمريكا والصين. وعلى الرغم من اعتراض هولندا والدانمرك.. فإن عدد المؤيدين لفكرة الجيش الأوروبي يتزايد كل يوم.

تراقب روسيا ذلك التطور الكبير.. وتبدو المعركة بين موسكو وواشنطن واضحة من دون أىّ غموض: تريد أمريكا أن تنتزع المحيط الأوروبي لروسيا من المجال الجيواستراتيجي الروسي. وتريد روسيا انتزاع أوروبا من المجال الجيواستراتيجي الأمريكي.

إن فكرة تقسيم الغرب إلى "شرق الأطلسي" و"غرب الأطلسي" هى الفكرة الأكثر دعمًا من روسيا.. ذلك أن أوروبا والتي قد تمثل في المستقبل تهديدًا لروسيا.. هى مع أمريكا أكثر تهديدًا وأعلى قدرة. ومن ثم فإن وجود مركزان للقوة في الغرب (أوروبا وأمريكا) هو من دون شك أفضل كثيرًا من وجود مركز واحد للقوة تقوده واشنطن.

إن تشكيل الحلم الأوروبي أو الجيش الأوروبي الموحّد.. ليس بالأمر اليسير.. ذلك أن تراث الفشل في ذلك المشروع يمثل إضعافًا للرهان عليه الآن. ثم إنَّ كثيرين في أوروبا لايزالون يرون الأمن الاستراتيجي لبلادهم تحت المظلة الأمريكية وحدها وليس غيرها.

ويتحدث العسكريون عن صعوبات كبيرة في دمج كل هذه الجيوش في جيش واحد.. وهى ذات أنظمة تسليح وتدريب مختلفة. وهو ما يجعل أوروبا أضعف كثيرًا من روسيا والصين وبالطبع الولايات المتحدة.

وحسب دراسات عسكرية حديثة.. فإن هناك في أوروبا - على سبيل المثال- يوجد (17) نوعًا من دبابات القتال الرئيسية.. مثل "لوكلير" الفرنسية، و"ليوبارد - 2" الألمانية، و"بي تي - 91" البولندية. أما في أمريكا فإن هناك نوعًا واحدًا هو الدبابة "إبرامز إم1". في أوروبا - أيضًا - يوجد (20) نوعًا من مركبات المشاة مقابل نوع واحد في أمريكا، وهناك (27) نوعًا من  مدافع الهاونز مقابل نوع واحد في أمريكا.

وعلى وجه الإجمال فإن أوروبا تمتلك (178) نظامًا رئيسيًا للتسليح.. بينما تستخدم أمريكا (30) نظامًا. يضاف إلى ذلك أن الإنفاق الأوروبي على السلاح يصل إلى ثلث الإنفاق الأمريكي.. وأن الجيش الأول في أوروبا (الجيش الفرنسي) سبق أن شهد جدالًا حول الميزانية عام 2017.. وذلك بسبب رغبة الحكومة في خفض الميزانية العسكرية.. وهو ما دفع القائد العام للقوات المسلحة الفرنسية "بيار دو فيلييه" إلى الاستقالة مؤكدًا أن خفض الميزانية يضعف الجيش الفرنسي وسط التحديات الكبرى التي يواجهها.

إن السؤال المهم الذي يطرحه الاقتصاديون: هل تتحمل شعوب أوروبا المرفّهة متطلبات الإنفاق العسكري الكبير.

حسب مقال نشرته الصحف الروسية.. فإن أوروبا لا يمكنها أن تتخلّى عن رعاية أمريكا.. والأوروبيون لن يدفعوا مئات المليارات من الدولارات.. على حساب حياتهم الرغدة.. لقد اعتاد الأوروبيون على الجلوس في المقاهي وشرب القهوة مع الكرواسون.. وعدم التفكير في القضايا العالمية.

يحمل هذا التحليل الكثير من المبالغة.. ولكنه يحوي بعض الحقائق.. إذْ سيكون الأمر في نهاية المطاف ميزانيات وأرقام.. سيبدو وكأنَّه اختيارٌ جادّ بين الصواريخ والطعام. ذلك أن الجمع بين "الدبابة" و"الكرواسون"..  لن يكون بالأمر اليسير لدى العسكريين والاقتصاديين على.. السواء.

تضع القوة حدودًا للاقتصاد، ويضع الاقتصاد حدودًا للقوة.. وتحتاج الإمبراطوريات إلى القوة والاقتصاد معًا. وهنا الإمتحان التاريخي الذي تواجهه أوروبا.

 

 

نقلًا عن صحيفة "المصري اليوم" المصرية



كلمات دالة

اوروبا، الجيش الأوروبي، الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا، فرنسا، ايمانويل ماكرون

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية