• Wednesday, 23 September, 2020
  • 03:47 PM
الرئيسية الأسلام السياسى

الإرهاب الأبيض.. مستجدّات العنف السياسي في الغرب


  • اللواء/ أحمد عفيفي

  • 2019-09-09 19:58:22

في حديثه لمجلة "ذي أتلانتيك" الأمريكية حذَّر "كريستيان بيتشيوليني" العضو السابق في تنظيم النازيين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية من انتشار أنصار نظرية السيادة البيضاء في أمريكا، وازدياد خطورتهم بشكل كبير وقدرتهم على تنفيذ هجمات إرهابية كبيرة على غرار ما حدث في 11 سبتمبر، وأنه يعرف أشخاصًا منهم في مناصب قوية، منهم سياسيون وعناصر من قوات إنفاذ القانون، وبعضهم يشبه الخلايا النائمة.

يرى "بيتشيوليني" أنَّ "الأمور ستزداد سوءًا"، بعد هجومي تكساس وأوهايو، والذيْن أوديا بحياة أكثر من 30 شخصًا، خاصة وأن الهجوم الأول الذى وقع بمدينة إل باسو بولاية تكساس قد نفذَّه شاب يحمل أفكارًا حول سيادة العرق الأبيض.

بحسب المتطرف السابق - والذي يدير حاليًا مركزًا لمواجهة التطرف - فإنَّ إرهابيي السيادة البيضاء، والذين خلّفوا عشرات القتلى في هجمات نيوزلندا وتكساس وغيرها في الآونة الأخيرة، لا يسعون إلى تنفيذ هجمات فردية أخرى، بل يعملون الآن على تنفيذ هجمات كبيرة على غرار هجوم "تيموتي ماكفيه" والذي استهدف مبنى فيدرالي في أوكلاهوما عام 1995 باستخدام سيارة مفخخة تحمل (2) طن من المتفجرات، وهو الحادث الإرهابى الأكثر دموية الذى يضرب هدفًا في الولايات المتحدة قبل هجمات 11 سبتمبر وأسفر عن مقتل 168 شخصًا.

فى فبراير الماضي، ألقت الشرطة الأمريكية القبض على ضابط برتبة ملازم في قوات حرس السواحل الأمريكي، كان يخطط لارتكاب مجزرة مروعة والقيام بعدة هجمات إرهابية لقتل عدد كبير من الساسة والإعلاميين، وقد عثرت الشرطة في منزله في سيلفر سبرينغ بولاية ميريلاند على ترسانة من الأسلحة والمتفجرات.

سلطات الأمن الأمريكية ذكرت أن الضابط والذى يدعى كريستوفر بول هاسون 49 عام من أنصار نظرية "تفوق العرق الأبيض"، وكشفت الشرطة عن مسودة رسالة إلكترونية، تعود إلى يونيو 2017, كتب فيها: «أحلم بطريقة لقتل آخر شخص على وجه الأرض، أعتقد أن الطاعون سيكون أنجح الحلول، لكن كيف أحصل على الإنفلونزا الإسبانية اللازمة لذلك، أو الجمرة الخبيثة، لست متأكدًا بعد، لكني سأجد طريقة ما».. وقد ذكر المدعى العام فى مذكرة أن الموقوف يخطط لقتل مدنيين أبرياء على نطاق يندر أن شهدناه في هذا البلد.

 فى أبريل 2019 نشرت صحيفة نيويورك تايمز تحقيقًا ذكرت فيه أن حوالي 30 هجومًا قام بتنفيذه المتطرفون من أصحاب نظرية السيادة البيضاء بداية من عام 2011، وتحديدًا منذ هجوم النرويج الإرهابي، وذكرت الصحيفة أن الفترة من 2011 إلى 2017 قد شهدت 350 هجومًا لأصحاب نظرية السيادة البيضاء في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.

 فى المقابل نجد الموقف الرسمى الأمريكى يتجاهل ذلك الانتشار السريع والخطير لظاهرة الإرهاب الأبيض، ويتهم البعض السلطات بالتماسها العذر لهؤلاء المتطرفين، إذْ يتم تصنيف بعض تلك الهجمات تحت دعاوى الاختلال العقلى.. على غير الحقيقة.

الأخطر من ذلك أن الاستراتيجية القومية لمكافحة الإرهاب التى أصدرتها إدارة الرئيس ترامب فى أكتوبر العام الماضى قد حصرت الإرهاب فى التطرف الإسلامى فقط، وحددت "أنها تحارب أيديولوجية إسلامية راديكالية متطرفة" عكس سابقتها إدارة أوباما التى لم تذهب إلى هذا التحديد. 

لا تريد الإدارة الأمريكية مواجهة الحقائق والاعتراف بشكل عملى بأنها أمام تحدٍّ خطير من تجمعات متطرفة تشكّلت على شبكة الانترنت، تضم عناصر الإرهاب الأبيض العنصرية. وقد تنتقل هذه العناصر من أسلوب الهجمات الفردية الذي يشبه أسلوب الذئاب المنفردة لدى داعش إلى العمل التنظيمى وعلى نطاق أكبر، ومستوى من العمليات شديد الخطورة.

وبالرغم من أن دوائر أمريكية عديدة تحذر منذ فترة من التركيز فقط على الإرهاب الإسلامى، إلا أنه - وعلى مدى عقدين متتالين - تتجاهل استراتيجيات مكافحة الإرهاب الداخلى الإرهاب الذى يمارسه المتطرفون البيض، حيث بلغت نسبة الهجمات الإرهابية فى أمريكا بين عامى 2006 و2015 وفقًا لدراسة أعدتها جامعة جورجيا 87.5 % نفذها أشخاص لا علاقة لهم بالإسلام مقابل 12.5 % من هذه الهجمات قام بها مسلمون. 

هذا التهديد الجديد الذي تواجهه أمريكا لا يمكن التصدي له بالتركيز فقط على الأيديولوجية الجهادية، يجب على الإدارة الأمريكية أن تعيد النظر فى خطاب الكراهية الذى تصدره من خلال ممارساتها الحالية وتتلقفه عناصر الإرهاب الأبيض الذين يرتكبون مزيدًا من الجرائم كل يوم.. تحركهم دوافع "عنف التفوق الأبيض". فالمسألة تتعلق بإعادة النظر فى الثقافة السائدة الآن قبل النظر فى تطبيق القانون وتشديد مراقبة تداول الأسلحة، واتباع سياسات تقوم بضبط وسائل التواصل الاجتماعي والدور الذي تلعبه في نشر التطرف والعنف.

 على الجانب المقابل فى أوروبا.. فإنَّ الوضع لايختلف كثيرًا عن الولايات المتحدة ففى كلّ مرةٍ يُرتكب فيها عملٌ إرهابي على يد رجل أبيض، دائمًا ما يكون هناك حالة من الارتباك الرسمي في التصنيف، أكان "جريمة كراهية" أم "فعلًا إرهابيًا". من نماذج  ذلك حادث إطلاق نار فى 10 أغسطس 2019 داخل أحد المساجد ببلدة بايروم إحدى ضواحي العاصمة أوسلو بالنرويج، نتيجة لحالة التحريض التى يمارسها ساسة اليمين الأوروبي المتطرف.

وبالرجوع إلى بيانات الكراهية "المانيفستو" التى يصدرها الإرهابيون لشرح دوافعهم لارتكاب جرائمهم سواء فى الولايات المتحدة أو في أوروبا  يتضح الآتى:

 أولًا: وجود روابط وصلات بين اليمين الفاشي المتطرف في الغرب، بل الأخطر أن أحد الإرهابيين وقّع على "المانيفستو" بأنه فارسٌ من فرسان المعبد وواحدٌ من قادة "حركة المقاومة الوطنية الأوروبية"، معددًا إخوته في المساعدة في كل من "بريطانيا وفرنسا، وألمانيا، والسويد، والنمسا، وإيطاليا، وأسبانيا، وفنلندا، وبلجيكا، وهولندا، والدنمارك، والولايات المتحدة الأميركية، إلخ".

ثانيًا: عمق الأزمة التى تعيشها أوروبا نتيجة لتنامى روح التعصب القومي في السنوات الأخيرة وهى ما تتمثل في ارتفاع معدّل الهجمات على مساجد ومراكز إسلامية.

ثالثًا: تنامى الغضب بين اليمين القومي العنفي في الغرب ضد مؤسسات الحكم، واتهامها بالتراخي فى مواجهة ما يرونه غزوًا يهدد بقاء العرق الأبيض واجتياح وأسلمة أوروبا.

رابعًا: باتت النخب الحاكمة فى أوروبا وأمريكا تداهن اليمين القومي المتطرف  لكسب قاعدة جماهيرية والحصول على أصوات انتخابية.

خامسًا: إن الإرهاب الأبيض ليس موجهًا بالضرورة ضد المسلمين.. ذلك أنه أيضًا يعمل ضد غير البيض، وضد اليسار، وضد العولمة.

 



كلمات دالة

النازيين الجدد، كريستيان بيتشيوليني، الاستراتيجية القومية لمكافحة الإرهاب، اليمين القومي المتطرف

اللواء/ أحمد عفيفي


خبير مختص في حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، وعضو الهيئة الاستشارية بمركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية CCSS

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

اللواء/ أحمد عفيفي

خبير مختص في حركات الإسلام السياسي في العالم العربي

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية