• Wednesday, 23 September, 2020
  • 03:38 PM
الرئيسية العالم

اليابان.. المربع ذو الخمسة أضلاع


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-17 03:15:54

أثناء زيارتي إلى اليابان.. قمتُ بالصعود إلى أعلى برج طوكيو الشهير "سكاي تري" أو "شجرة السماء". إنَّهُ أحد أشهر معالم العاصمة اليابانية. من ذلك الارتفاع الشاهق يمكن للمرء أن  يرى تلك المدينة الساحرة التي تتلألأ على مساحة شاسعة. يمكنك أن ترنو ببصرِك إلى الأفق فترى جغرافيا الضوء الممتدة من دون نهاية. وإذا كنت أكثر جرأة. يمكنك أن تقف فوق أرضٍ من زجاج لترى في الأسفل - وبعيدًا جدًا - المنازل والشوارع كأنما تراها من طائرة.. في مشهدٍ مثير وبديع.

كانت مدينة كيوتو هى عاصمة اليابان لمئات السنين.. ثم أصبحت مدينة "إيدو" التي صارت "طوكيو" هى عاصمة الإمبراطورية.

إن طوكيو التي تأسَّست عام 1602 هى رمز الحداثة اليابانية. هى رمز الانتقال من "الساموراي" إلى "الدولة".. ومن العصور الوسطى إلى العصر الحديث. في القرن العشرين تمَّت إعادة بناء طوكيو مرتين.. بعد عام 1923 كانت المرة الأولى عقب تدمير أكثر من نصف العاصمة في الزلزال الكبير.. وبعد عام 1945 حيث جرى التدمير الثاني لطوكيو أثناء الحرب العالمية الثانية.

ولقد تجاوزت طوكيو الزلزال والقتال.. وعادت لتصبح أكثر ازدهارًا.. المدينة الأكثر أمنًا في العالم.. ثاني بورصة بعد نيويورك وأول جامعة في آسيا.

إن نظرةً أكثر تفصيلًا إلى طوكيو من أعلى.. يمكنها أن ترمق خلايا النحل التي لا تهدأ في واحدةٍ من أكثر مدن العولمة حداثةً في العالم. يمضي ملايين الناس في نظامٍ مذهلٍ.. تحكمهم عقيدة جامعة هى: الإيمان بالعمل. إنها ليست الإيديولوجيا الرأسمالية ولا الاشتراكية.. إنها "أيديولوجيا العمل".

في تقرير لافت لمحطة "بي بي سي" البريطانية.. وصف مراسلها في اليابان "يوكاري هيتسوهاشي".. مشهد الإنسان والوظيفة عبْر مصطلحيْن: "السوشي- زوم" و"إيكيغاي".

تشير حالة "السوشي- زوم" إلى ذلك الزحام الشديد في القطارات.. حيث يبدو الموظفين - الذين يعملون ساعات أطول من المطلوب - وكأنهم حبوب الأرز المضغوطة في وجبة السوشي. ويشير مصطلح "إيكيغاي" إلى أن العمل ليس بالضرورة لأجل المال أو الدخل.. بل إنه قيمة في ذاته.. إنَّه مصدر السعادة.. السعادة في أنْ تكون لك قيمة، والقيمة في أن تكون عاملًا. أنْ ترى أولئك الذين تأثَّروا بعملك.. أنْ تكون إيجابيًا.. بدلًا من حلِّ مشكلة الجوع في العالم.. حاول أن تحلَّ مشكلة الجوع لدى شخصٍ تعرفه. إنَّ ثقافة "الإيكيغاي" - حسب هيتسوهاشي" - تعني أن تكون نافعًا ومفيدًا..أنْ تتطلَّع إلى المستقبل المشرق حتى لو كنت في ظروف سيئة.

إن طوكيو الرائعة لا تخفي طوكيو القلقة.. واليابان القوية لا تخفي اليابان التي تواجه تحديات جيوسياسية هائلة.

كانت خلاصة ما سمعت في وزارة الخارجية اليابانية وفي معهد اليابان للعلاقات الدولية.. أن اليابان تحاول أن تجدِّد القدرة على الحركة وسط هذه الأعاصير السياسية في شرق آسيا.. دون أن تخرج على استراتيجية الحوار والسلام.

تواجه اليابان تحديات من مربع يمتد أحيانًا إلى خمسة أضلاع.. هناك كوريا الشمالية.. التي تتهمها اليابان باختطاف العديد من مواطنيها.. دونما استجابة لضغوط العائلات والحكومة اليابانية لعودتهم إلى ديارهم.. على الرغم من اعتراف واعتذار الزعيم الكوري السابق. كما أن هناك مشكلة الصواريخ والبرنامج النووي التي تشكل تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي الياباني.

وهناك - ثانيًا - كوريا الجنوبية.. التي استولت - بحسب اليابان - على جزر يابانية.. كما أنها لا تلتزم بالمعاهدات بين البلدين، وتجدِّد باستمرار الحديث عن قضايا سبق إنهاؤها مثل "نساء المتعة" و"عمال السُّخرة".

وهناك- ثالثًا - الصين.. التي تشعر اليابان إزاء تمددها الاقتصادي والعسكري بالقلق الشديد. هناك الصراع على الجزر، وهناك الوجود العسكري الصيني في بحر الصين الجنوبي حيث تأتي معظم واردات اليابان من الطاقة.

وهناك - رابعًا - روسيا.. التي لم توقِّع اليابان معها اتفاقية سلام منذ الحرب العالمية الثانية.. وحتى الآن. وبينما تطالب اليابان بأربع جزر شمال اليابان.. ترفض روسيا الاستجابة بحجّة أنها انضمت لروسيا في العهد السوفيتي حسب القانون الدولي.

هنا مربع التحديات للأمن القومي الياباني: كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية..الصين وروسيا. ترى اليابان أن التحالف مع الولايات المتحدة الأميكية، والتقارب مع الهند.. يمثل توازنًا لا بديل عنه في مواجهة مربع التحديات. لكن وصول الرئيس ترامب إلى السلطة.. وفتحه خطوط حوار مع كوريا الشمالية لا تعرف اليابان بالضرورة كل ما يدور داخله. كما أن مطالبات الرئيس الأمريكي بأن تدفع اليابان الكثير من المال مقابل الأمن.. جعل طوكيو تمدِّد القلق الجيوسياسي أحيانًا إلى ضلعٍ خامسٍ.. ينضم ويغادر.. حسب صعود وهبوط التصريحات المزعجة القادمة من واشنطن.

إن خروج الرئيس ترامب من السلطة بعد عامين  أو ستة أعوام.. قد لا يعني إعادة الثقة على نحوٍ كامل. ذلك أن  الولايات المتحدة الأكثر براجماتية الآن.. لا يمكن الثقة فيها بنفس القدر الذي كان في العقود السابقة.

يهمس بعض الساخطين في اليابان بشأن ضرورة امتلاك قوة نووية رادعة.. لكن النخبة في اليابان لا تزال مُجمِعة على استحالة ارتياد الخيار النووي العسكري.. رغم القدرة عليه. لاتزال طوكيو  تراهن على واشنطن.. وتحاول التقارب مع الهند في آسيا، ومصر في أفريقيا، وفرنسا في أوروبا.. لأجل إعادة تقديم اليابان الجديدة للعالم.

إن القيم اليابانية والاقتصاد الياباني ومؤسسة الجايكا.. تمثل كلها جوانب ناجحة للغاية في القوة الناعمة اليابانية.. لكن التساؤل بشأن عدم كفاية القوة الناعمة، وضرورة امتلاك القوة الصلبة.. ترتفع وتيرته يومًا بعد يوم.

لدى القاهرة علاقة متميزة مع طوكيو.. لا يأتي السياح اليابانيون إلى مصر لأجل المنتجعات والشواطئ فحسب.. بل يأتون  لزيارة الحضارة المصرية الأكثر مجدًا في العالم.

انتقلت العلاقات بين البلدين في عهد الرئيس السيسي الذي تربطه صداقة قوية بالزعيم شينزو آبي.. إلى مسافة أبعد.. من التعاون والعمل المشترك.

تحتاج اليابان إلى مصر في الشرق الأوسط وأفريقيا.. وتحتاج مصر إلى اليابان. في استعادة القوة الناعمة.. التعليم والاقتصاد.

تدرك اليابان أنه يمكنها تجاوز التحديات الجيوسياسية التي تواجهها.. وأنه بمقدور قرص الشمس الذي يتوسَّط علم الامبراطورية.. أن يتجدَّد كل صباح ومن دون انقطاع.

تمتاز اليابان بصناعاتٍ عديدة.. لكن أعظم صناعةٍ في اليابان هى: صناعة الأمل.

 

 

المقال للكاتب أحمد المسلماني مترجم عن "أهرام أونلاين" باللغة الإنجليزية



كلمات دالة

اليابان، طوكيو، كيوتو، صناعة الأمل

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية