• Wednesday, 23 September, 2020
  • 02:42 PM
الرئيسية العالم العربى

الكومنولث الإسلامي.. ما بعد نظرية الخلافة


  • أحمد المسلماني

  • 2019-07-22 11:56:43

درس الفيلسوف مالك بن نبي الهندسة في فرنسا في الأربعينيات، ثم جاء إلى مصر وأقام في حىّ المعادي في الخمسينيات. تواصلَ الفيلسوف مع الرئيس جمال عبد الناصر وخصّصت له الحكومة المصرية راتبًا شهريًّا لمساعدته في التفرّغ العلمي لإنتاجه الفكري والفلسفي.

كان مالك بن نبي يكتب بالفرنسية، وفي مصر أجادَ اللغة العربية، وقام الدكتور مصطفى محمود بتقديمه إلى المجتمع الثقافي المصري.

كان الفيلسوف الجزائري أحد أبرز نجوم تيار "الإسلام الحضاري" والذي يضمّ الفيلسوف المصري رشدي فكّار والمفكر اللبناني شكيب أرسلان.

تأثّر مالك بن نبي بأستاذه المفكر الجزائري عبد الحميد بن باديس، وقد كان العلّامة ابن باديس بدوره أحد أعظم تلاميذ الإمام محمد عبده. في عام 1954 نجحتْ الثورة الجزائرية، وحاول ابن باديس ومالك بن نبي ترسيخ الاعتدال والوسطية، وتعزيز الحداثة والعقلانية. كادَ المفكران "ابن باديس" و"مالك بن نبي" أن ينجحا لولا أن جرثومة التطرف بدأت تنمو في البلاد، وهى الجرثومة التي أدت إلى مقتل أعدادٍ كبرى من الجزائريين في سنوات الإرهاب المأساويّة.

انتقدَ الفيلسوف مالك بن نبي الأداء السياسي للسلطة الجزائرية بعد الاستقلال، وقال: "إن التركيز على الحلِّ السياسي، وإهمال الحلّ الفكري.. لن يقود إلى شئ"، ثم مضى "بن نبي" إلى نظريته الشهيرة "القابليّة للاستعمار"، فالصراع الفكري في العالم الإسلامي، والاهتمام بالهوامش دون الجواهر، قد جعل العالم الإسلام مهيئًا للاستعمار، وقابلًا له. وعلى ذلك فإن مسئولية التخلّف في العالم الإسلامي لا تقع فقط على عاتق الاستعمار، وإنما على عاتق المستعمرات حتى لوْ كانت هدفًا للمؤامرة.

امتدّ نقد "بن نبي" إلى النخب في العالم الإسلامي التي وقعت أسيرة الصّدقات الغربية في التعليم والعمل، فالطالب يسافر إلى أوروبا وهدفه الوحيد اللغة أو الحرفة. إنه لا يريد معرفة الثقافة وأسباب التطور ووسائل التقدم، وبدورها فإن أوروبا لا ترغب في إعطائه ذلك، وتكتفي بتوزيع نفاياتها على المستعمرات التي باتت عبدًا للاقتصاد الغربي.

في كتابه "وجهة العالم الإسلامي" يصف "بن نبي" ذلك الخطأ الكبير بأسلوب جذّاب: "إن الطالب الذي يعيش في باريس لا يرى المرأة التي تجمع العشب لأرانبها، وإنما يرى تلك التي تصبغ أظافرها وشعرها، وتدخّن في المقاهي والندوات".

في كتابه "بين التيه والرشاد" ينتهي "مالك بن نبي" إلى القول بضرورة "تصفية الاستعمار في العقول قبل كلّ شئ، فتصفية الاستعمار من العقول تتطلّب أشياء كثيرة يتضمّنها مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة.. وهى لا تتحقّق بمجرد انسحاب جيوش الاستعمار وإعلان الاستقلال".

إن موجز المشروع الفكري للفيلسوف مالك بن نبي هو حتميّة التصالح بين الإسلام والحداثة.. بين العقل والنقل. ولقد قاده ذلك إلى فكرة "الكومنولث الإسلامي".. التي لقيّت صدىً كبيرًا في أوساط المثقفين وقتها، ثم تلاشى الصوت والصدى فيما بعد.

إن التفكير في مشروع عام للعالم الإسلامي هو أمرٌ يشغل الكثير من المخلصين الذين اجتهدوا وتوصلّوا إلى أنه لا يجب أنْ يبقى المسلمون أسرى نظرية قادتْ إلى تدمير الأمة وتحطيم الأوطان. لقد جرى تزييف التاريخ، ووصف الممالك الوراثيّة بالخلافة.. إنها لم تكن وراثيّة فحسب، بل كانت دموية أيضًا. كان الوصول لها بالدمّ، والبقاء فيها بالدمّ، والخروج منها بالدمّ.

جرى وصف المملكة الأموية والمملكة العباسية والمملكة الفاطمية والمملكة العثمانية.. بالخلافة، مع أنَّ التوصيف الدقيق هو "المملكة" أو "الدولة" أو "السلطنة" أو "الإمبراطورية".. ولا مجال لمسمّى الخلافة في أىّ منها، وقد كان الوصف النبوي الشريف حاسمًا.. "الملك العضود" و"الملك الجبْري".

جاء الاستعمار الحديث داعمًا - سرًا وعلانية - لفكرة الخلافة لتغذية دائرة الصراع وإبقاء خريطة الدمّ. وكتب كثيرون عن الفريضة الدينية فيها، ووجوب السعى لأجلها والجهاد في سبيلها، وتمّ إهمال تراث فكري عظيم تجاوزه سلاطين الدم وهم يجاهدون في سبيل السلطة ويزعمون أنهم في سبيل الله.

وحسب دراسة للدكتور نصر عارف في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة بعنوان "مصادر التراث السياسي الإسلامي" فإنّ جميع المفكرين الذين كتبوا عن الإسلام والسياسة في القرن العشرين لم يطلّعوا سوى على (18%) فقط من التراث الإسلامي الموجود مخطوطًا في مكتبات العالم.

ولقد حاول العلّامة عبد الرزاق السنهوري في كتابه "فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية".. الذي صدر عام  1926.. أن يجدّ طريقًا للشعوب الإسلامية من وسط التطوّر المذهل للعالم المعاصر.

إن مفهوم السنهوري حول "عصبة أمم إسلامية" أو مصطلح مالك بن نبي حول "الكومنولث الإسلامي" هى كلها محاولات لتجديد الفقه، والتوفيق بين مصالح الأمّة ومقتضيات العصر. وقد جاءت الاجتهادات المعاصرة ولا سيّما جهود الشيخ عبد الله بن بيّة في تأكيد شرعية الدولة الوطنية، وشرعية تعدُّد الدول الوطنيّة في العالم الإسلامي.. لتدفع الأمة إلى أنْ تكون جزءًا من العالم، ومن العصر.

يشير معنى كلمة "كومنولث" إلى الرخاء الجماعي. و"الكومنولث البريطاني" هو رابطة تطوعيّة تضم دولًا مستقلة، تتشاور وتتعاون فيما يتعلق بالمصالح المشتركة، والترويج للتفاهم والسلام العالمي".

يمكن أن نطرح للحوار فكرة إقامة "رابطة كومنولث الدول الإسلامية" أو "الكومنولث الإسلامي" ويكون مقر الأمانة العامة للكومنولث في القاهرة، ويشكل الأزهر الإطار الروحي للرابطة.. وتدعو الأمانة العامة الدول الإسلامية للانضمام من دون أىّ إلزام في أي سياسات أو قرارات. إنه إطار تشاوري يستند إلى المشترك الثقافي والديني الذي يجمع شعوب الدول الأعضاء.

 

 

 

أحمد المسلماني، نقلًا عن صحيفة "الأهرام" المصرية. والنص أساس لمحاور ندوة موسعة ينظمها المركز.



كلمات دالة

الكومنولث الإسلامي، الأزهر، مالك بن نبي

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية