• Friday, 04 December, 2020
  • 03:48 PM
الرئيسية العالم العربى

بقايا دولة.. لقاء مع الرئيس ميشال عون


  • أحمد المسلماني

  • 2020-08-12 23:14:16

التقيتُ الفنانة الكبيرة فيروز فى الجامعة الأمريكية فى بيروت عام 2005. كانت السيدة فيروز والدكتور أحمد زويل والأمير كريم الأغاخان ينتظرون انطلاق فعاليات منحهم الدكتوراه الفخرية. وبينما أنا جالس مع السيدة فيروز جاء أحد أساتذة الجامعة الأمريكية ليقول لها وهو يتحدث عن إحدى أغنياتها: "لقد بكيتُ فى هذه الأغنية.. كان لا يزال عندنا أمل". وكان ردّ السيدة فيروز: "ولا يزال عندنا أمل".

كان تفاؤل "اللبنانية الأولى" بعيداً عمّا يجرى على بُعد دقائق من الحفل.. اغتيالات وديون ونخبة فاسدة تتنافس على تقطيع أوصال الوطن.

فى فبراير 2020 وفى عيد ميلاد الرئيس عون الخامس والثمانين كتبت سياسيّة لبنانية فى حزب الرئيس: "الأملُ لا يشيخ.. كل عام وأنتَ الأمل". مرّت شهور قليلة وكان انفجار مرفأ بيروت المأساوى، ولم يعد الأمر متعلقاً بـ"شيخوخة الأمل" بل بـ"نهاية الأمل".

يشعر اللبنانيون أنَّ بلادهم تسير على طريق دائرى لا نهاية له، ولا مخرج منه. ذلك أن النخبة الحاكمة قد أصبحت هى لبنان. لقد أسست معادلةً مؤداها: إمّا نحن وإمّا لبنان، إمّا أن نبقى ليبقى لبنان، أو نرحل ليرحل لبنان!إننى واحدٌ ممن لا يثقون فى النخبة السياسية الحاكمة فى ذلك الوطن الرائع الذى صار مروّعاً. فى لبنان يتحدّث كل قادة البلاد عن المؤامرة التى تستهدفهم، وعن الرسالة المقدسة التى يقومون بها، والتى لولاها لاقترب العالمُ من يوم القيامة.

لدى الطبقة السياسية فى لبنان حالة تشبه بناء القصيدة فى الشعر الجاهلى، حيث البكاء على الأطلال قبل المضىّ إلى موضوع القصيدة. لقد سمعت ذلك من سليم الحص وسعد الحريرى وفؤاد السنيورة ونجيب ميقاتى، والأربعة كانوا رؤساء حكومات. وأمّا ما سمعتُه من العماد ميشال عون، فقد كان صادِماً للغاية.. حيث يجب على لبنان أن يعدِّل مساره لأجل "العماد"، ليقتفى أثره.. ذات اليمين أو ذات الشمال، من دون حسابٍ أو سؤال.

قبل مجىء العماد ميشال عون رئيساً للبنان، كانت الدولة اللبنانية بلا رئيس جمهورية لمدة عامين ونصف العام. فقد فشل مجلس النواب الذى عقد (46) جلسة فى اختيار الرئيس.

كان ميشال عون ضابطاً فى سلاح المدفعية، ثم وصل إلى منصب قائد الجيش، ثم رئيساً للحكومة العسكرية. فشل "عون" فى الانتقال من الحكومة إلى الرئاسة، وانتهى لاجئاً فى السفارة الفرنسية فى بيروت، ثم منفياً فى باريس، ثم أدرك الجنرال أن الطريق إلى قصر بعبدا لا يمر بباريس وحدها، ولكنه يمر - قبلها وبعدها- عبْر البيت الأبيض.

غاب "عون" ثم عاد إلى السياسة بعد خمسة عشر عاماً فى المنفى. كانت عودة الجنرال مثيرة فى الطريقة وفى الطريق.

أثناء المنفى كان يرى المؤامرة على لبنان ماثلة فى سوريا و"حزب الله"، وقام بالتحريض لأجل معاقبة دمشق، ودعا "الكونجرس" لفرض عقوبات على سوريا وحليفها اللبنانى. ولكن الجنرال سرعان ما عاد إلى عكس ذلك تماماً، وأصبح حليفاً أساسياً لسوريا و"حزب الله"، ثمّ أيّد "عون" التدخلات الإيرانية فى الخليج، وطالب بدعم مناهضى الحكم فى البحرين.

التقيتُ العماد "ميشال عون" عام 2005 فى فندق فورسيزونز واشنطن، وأهديته نسخة من كتابى "خريف الثورة".. وقد حدَّثنى طويلاً عن حجم المؤامرات على بلاده، لكنه كان فى ذلك الوقت فى قلب التحوّل يعيد النظر فى خياراته وتحالفاته.. وقد اختار الانتقال من التحالف ضدَّ إيران إلى التحالف مع إيران.. وفى المرتيْن كان يقول: "إن الطرف الآخر هو الذى يخطِّط للمؤامرة"!

وربما يتوجّب الإنصاف هنا.. القول بأن التفسير المتقلِّب لنظرية المؤامرة.. وتحوّل "المتآمر" من النقيض إلى النقيض ليس بالظاهرة العربية، بل هى ضِمن ظواهر السياسة العالمية.. فمفهوم "العدو" يتحوَّل بالضرورة مع تحوُّلات الزمان وتوازنات المكان.. والمصالح الشخصية بدورها تلعب دوراً رئيسياً فى وصف العدو وتوصيف المؤامرة.. فالحسابات العامة لرجال السياسة وأقطاب السلطة إنما تدور مع الحسابات الخاصة.. تذهب حيث تذهب وتعود من حيث تعود.

استدار الرئيس ميشال عون من النقيض إلى النقيض، واستدار معه لبنان من الضعف إلى الضعف. أصبحت ديون بلد -يعادل سكانه عدد سكان محافظة المنوفية فى مصر- أكبر من ديون إندونيسيا. وعلى الرغم من تلك الديون الكبرى، فقد اضطر الأطباء إلى إجراء عمليات جراحية لمصابى مرفأ بيروت على أضواء الهاتف المحمول.

لقد خسر لبنان فى مأساة الانفجار ما يعادل (15) مليار دولار، وهو رقم يستحيل توفيره حتى تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانفجار. إن كل ما استطاع مؤتمر المانحين الذى دعا إليه الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون حشده لا يتجاوز مائتى مليون دولار. وفى العادة، فإنّ وعود المنح لا يجرى تحقيق نصفها بأىّ حال. وهكذا فإن ما يمكن أن يحصل عليه لبنان -من كل المانحين حول العالم- لن يتجاوز فعلياً مائة مليون دولار، أى ما يعادل (واحد) على (مائة وخمسين) ممّا يحتاجه لبنان ليعود الميناء ومحيطه إلى ما كان عليه.

لقد استقالت الحكومة ولكن لم يستقِل صُنَّاعها، استقال أصحاب المناصب ولكن لم يستقِل أصحاب القرار. استقال الذين يتلقون الأوامر من بيروت، ولكن لم يستقِل الذين يتلقون الأوامر من طهران. توارى الصّدى وبقى الصوت.. يملأ الوطن وعيداً وضجيجاً من دون حساب.

يحتاج لبنان إلى قطع طريق الآلام، وإلى وضع تحالف الجهلاء والعملاء فى سلّة واحدة، ثم قذفها خارج التاريخ. يحتاج لبنان إلى استعادة الثقة، واستعادة الحياة، يحتاج ذلك الوطن الرائع إلى قول السيدة فيروز: "لا يزال عندنا أمل".

 

نقلًا عن صحيفة "الوطن" المصرية



كلمات دالة

ميشال عون، لبنان، مرفأ بيروت، انفجار بيروت

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية