• Wednesday, 23 September, 2020
  • 01:35 PM

رياح الأندلس.. منتدى «المعتمد بن عباد» العالمى بالعريش


  • أحمد المسلماني

  • 2020-06-03 02:48:17

أقام المسلمون حضارة عظيمة فى الأندلس استمرت عدة قرون. لم تكن الـ(800) سنة -إلّا قليلاً- التى استغرقتها تلك التجربة الحضارية الكبرى.. كلها فى سياق واحد. فلقد شهدت القوة والضعف، العدل والظلم، المجد والعار. تأرجحتْ حياة الحكّام فيها بين الرخاء والدماء.. القصور والقبور.

كانت نخبة الأندلس ثريّة للغاية: كان هناك فيلسوف بوزن ابن رشد، وفقيه بوزن ابن حزم، وشاعر بوزن ابن زيدون، وزعيم بوزن عبدالرحمن الداخل. ومنذ طارق بن زياد «القائد الأول» وحتى أبوعبدالله محمد الثانى عشر «الملك الأخير».. شهدت بلاد الأندلس كثيراً من الأقلام والرّماح، الأشخاص والأحداث. إنّ واحداً من نجوم الأندلس الذى لا يزال اسمه مضيئاً بعد ألف عام.. هو الملك الشاعر المعتمد بن عباد، أشهر وأقوى ملوك الطوائف.

إن عائلة «المعتمد بن عباد» هى عائلة مصرية، خرجت من مصر إلى الأندلس، حيث استقرت هناك. تنتمى العائلة المالكة العبّادية إلى مدينة العريش فى محافظة شمال سيناء، وقد غادرت ومعها عدد من الجنود والمرافقين من العريش إلى إشبيلية، حيث أسّست هناك مجدها السياسى والثقافى.

يقول بعض المؤرخين إن الأصول البعيدة للعائلة العريشية تعود إلى النعمان بن المنذر أشهر ملوك المناذرة فى الحيرة، لكن -بغض النظر- عن الأصول البعيدة غير المؤكدة، فإن الأصل المؤكد هو انتماء العائلة إلى العريش، وسفرها منها إلى الأندلس، حيث عاشت وحكمت حتى انتهت.

كان «عميد العائلة السيناويّة» بعد وصولها إشبيلية هو «أبوالوليد إسماعيل». قدمت العائلة ثلاثة ملوك يُشتهرون باسم «ملوك بنى عباد»، وهم: أبوالقاسم والمعتضد والمعتمد. وقد حكموا جميعاً (78) عاماً.. من عام 1013 حتى عام 1091 ميلادية. تولى مؤسس العائلة «أبوالوليد» القضاء فى عهد خلفاء بنى أمية فى الأندلس: «الحكم المستنصر بالله»، و«هشام المؤيد بالله»، ورجل الدولة القوى «المنصور بن أبى عامر». وهكذا ظهرت العائلة فى القرن العاشر الميلادى فى منصب القضاء المرموق، ثم طبعت عقود مُلكها الثمانية القرن الحادى عشر الأندلسى، أكثر من أى عائلة أخرى فى ممالك الطوائف.

شهدت العائلة المالكة العبّادية أحداثاً كثيرة، كان الملك المعتضد قاسياً، وقد قضى كلّ حكمه فى حالة حرب. ولمّا فشلت محاولة انقلاب ابنه إسماعيل عليه، قام بالقبض عليه ثم قتله!

وأمّا المعتمد الذى يقول البعض إنه أخذ لقبه الملكى من زوجته «اعتماد الروميكية»، التى كانت جاريّة أحبّها وتزوجها، ومارستْ نفوذاً كبيراً فى عهده.. فقد شهد انقلاب وزيره الشاعر «أبوبكر بن عمار» وانفصاله بولايته، ثم خسارته الولاية، وبيعه عبداً، ليشتريه الملك المعتمد.. فيسجنه، ثم يقتله.

كان عصر ملوك الطوائف عصراً سينمائياً بامتياز، حيث تصارعت (22) مملكة مسلمة، كان الكلّ ضد الكلّ، وأصبحتْ الممالك بعضها لبعضٍ عدوّ. حاولت كل دويلة منها أن تبنى أسواراً، وأن تمتلك جيشاً، وكان حاكمها ينادَى بـ«أمير المؤمنين». وداخل كثير من الممالك كان هناك ذلك الانشقاق الاجتماعى الكبير بين قبائل العرب «اليمانية» و«القيسيّة»، وبين العرب والبربر.

جاء عصر ملوك الطوائف تالياً لانهيار الدولة الأموية فى الأندلس، وقد واكب الانهيار صعود ملوك الإفرنجة المجاورين، وتبدّل ميزان القوة، حيث انخفض المنحنى فى بلاد الأندلس، فيما صعد فى بلاد الإفرنجة، وأصبح ملوك الأندلس يتملقون ملوك الإفرنجة، بعدما كان ملوك الإفرنجة يتملقون ملوك الأندلس.

كان ملك قشتالة «ألفونسو السادس» هو رأس القوة المهيمنة على المشهد الإقليمى فى ذلك الوقت، وقد أدّى سقوط بين يديه عام 1085م إلى الاستسلام النفسى لملوك الأندلس إزاء قوته ومكانته.

بعد أن تخاذل ملوك الطوائف جميعاً عن دعم طليطلة، وبعد أن استمروا فى صراعاتهم الصغيرة، فرض الملك ألفونسو الجزية على الملك المعتمد بن عباد. وفى إطار رؤية منفعية، وحسابات فاشلة.. تعاهد المعتمد مع ألفونسو. لكن ذلك لم يعمر طويلاً، وأوشك ألفونسو على غزو إشبيلية، فاستجار المعتمد بدولة المرابطين فى المغرب، أقرب الجيوش المسلمة إليه.

استجاب «يوسف بن تاشفين»، زعيم دولة المرابطين، لطلب الإغاثة، وراح بجنوده عابراً مضيق جبل طارق إلى الأندلس، حيث حارب وانتصر فى «معركة الزلاقة» الشهيرة عام 1086، ثم اتجه إلى طليطلة لتحريرها، لكنه فوجئ بعدم وقوف ملوك الطوائف إلى جواره فى تحرير طليطلة من القشتاليين. ترك «يوسف بن تاشفين» جيشه وعاد إلى المغرب، لكن ملوك الطوائف عملوا ضد الجيش الذى تركه.

أفتى الإمام الغزالى والطرطوشى وغيرهما بوجوب إسقاط ملوك الطوائف فى الأندلس. يقول ابن خلدون: «توافق ملوك الطوائف على قطع المدد عن عساكر أمير المؤمنين -ابن تاشفين- فساءَ نظرهُ فيهم، وأفتاه الفقهاء بخلعهم». عاد «ابن تاشفين» وذهب إلى إشبيلية. رأى المعتمد ذلك غزواً لبلاده، وأنه كان يجب على ابن تاشفين العودة بجيشه بعد أداء واجبه فى تأديب الإفرنجة، ذلك أن إشبيلية استغاثت فأغاثها ابن تاشفين، ويجب العودة بعد الغوث. استعان الملك المعتمد بالملك ألفونسو ضدّ ابن تاشفين. لكنّه انهزم، وتم أسره ونفيه إلى المغرب، حيث قضى أربع سنوات مع زوجته وبناته فى مدينة «أغمات»، فى حالة بائسة، حيث كان لا يجد طعام يومه، وكانت بناته «الأميرات» يغزلن الثياب لأجل لقمة العيش. وهناك لم يجد ما يواسيه سوى الشعر.. حتى رحل ودُفن هناك، لينتهى مُلكه ومُلك بنى العبّاد فى عام 1091 ميلادية.

لم يكن المعتمد بن عباد على صواب فى سياسته الخارجية فى سنواته الأخيرة، فقد كان يرى توحيد ممالك الطوائف تحت رايته لتحقيق التوازن الاستراتيجى مع مملكة قشتالة. ولم يكن هذا بالقرار الصائب، فقد أدّى ذلك إلى مزيد من دماء المسلمين، ثم إنّه دفع الآخرين إلى خوض معارك قاسية أدّت إلى استنزاف جيش المعتمد. كما أن المعتمد الذى فقد كثيراً من نخبة نظامه، ومارست زوجته الروميكية ووزيره ابن عمار نفوذاً بديلاً لنخبة الحكم.. قد أصبح وحيداً من دون مستشارين أقوياء، بعد أن حلّت محلّهم حفنة من الأقارب والأصدقاء ولفيف من المنافقين وخدم السلاطين. ولمّا دقّت ساعة العمل، لم يكن هناك فى قصره من يمكنه أن يضع رؤى أو خططاً يمكنها النجاح والإنقاذ.

ثم إنّه -شخصياً- ومن غير نخبته، قد فقَدَ بمرور الوقت -ونتيجة حياة الترف واللهو المبالغ فيها- قدرته على التفكير السليم حتى من غير المستشارين ورجال الدولة. ولا يمكن فهم قراره بأن يحارب جيشه جيش يوسف بن تاشفين وهو يعلم أنه مهزوم، ولا يمكن فهم قراره بأن يحارب -هو شخصياً- وأبناؤه جيش ابن تاشفين فى ساحة القصر، ويستمر فى ذلك حتى أسره وقتل ابنيه!

وإذا كان الأمر شجاعة، فقد كان الأنسب أن يكون ذلك فى مواجهة ألفونسو لا فى مواجهة ابن تاشفين. ولو كان الأمر سياسة.. لكان الأجدر به أن يتفاهم مع ابن تاشفين وليس ألفونسو. ولو أنه امتلك جرأة النهاية هذه فى سنوات سابقة، لمَا زال ملكُه، ولما أُهين أهله.

إن مهندس الاتفاق الكارثى مع ألفونسو هو وزيره الفاسد «أبوبكر بن عمار»، ولو أنّه رأى ما وراء وزيره من العبث، وعدم الانتماء، وجنون السلطة، ولا أخلاقية المسعى.. لكان يمكنه تفادى تلك السقطة الكبرى.. أن يجهل من يوالى وأن يخطئ من يعادى.

كانت رؤية الملك المعتمد بن عباد.. ضرورة توحيد دولة كبرى للمسلمين فى الأندلس كما كان فى عهد عبدالرحمن الداخل ودولة بنى أمية، وكان يرى أن ذلك يوجب غزو الممالك الضعيفة الأخرى. وقد جاء ملك قشتالة ليعطّل مشروعه، ثم جاء حليفه يوسف بن تاشفين ليدمر مشروعه. وهنا أساس الإرباك والارتباك.

لقد أخطأ الملك المعتمد فى شئون الدولة والسياسة، فى قضايا الحرب والسلام. لكن نواياه فى الوحدة، وعدم إخلاصه للاتفاق مع ألفونسو، وتصوّره إمكانية اللعب بالإفرنجة إلى حين العودة لقتالهم.. قد جعل بعض المؤرخين أقل قسوة عليه وأكثر تجاوزاً عن حساباته الخاطئة.

فى كل الأحوال.. لقد مضى ما مضى، ولا يمكن إنكار تلك القوة الناعمة لمملكته الغنيّة، ولا فيض الشعر الذى أبدعه، وأبدعه شعراء عصره، كما لا يمكن الانبهار بالأندلس من دون الانبهار بآثاره العظيمة من قصور وحدائق، ومن جمال فى الهندسة والعمارة.

حين غادر آخر الملوك «أبوعبدالله محمد الثانى عشر».. بلاد الأندلس.. قالت له أمّه: «ابكِ كالنساء ملكاً مُضاعاً.. لم تحافظ عليه مثل الرجال».

فى تقديرى.. فإن ملكاً عظيماً قد زال. لكن بعض المُلك لا يزال. فإن الثقافة والإبداع وتاريخ الفكر لا يزول. إنّ الملك ذا الأصل المصرى «المعتمد بن عبّاد» له ما له وعليه ما عليه. ولقد بقى اسمه ساطعاً بعد عشرة قرون -رغم زحام ملوك وحكام الأندلس- ليعطينا الفرصة لإحياء الجانب الثقافى والحضارى من تاريخه وتاريخ أسرته «المصرية الأندلسيّة». وهنا أقترح -على مؤسسات الدولة المصرية- إقامة منتدى ثقافى عالمى باسم «المعتمد بن عباد» فى مسقط رأس عائلته بمدينة العريش. ويمكن أن تمتد فعاليات ذلك المنتدى العالمى داخل مصر وخارجها، ومن المناسب أن يضم المنتدى منتديات فرعية كالتالى: المهرجان العالمى للشعر، المهرجان العالمى للأدب العربى والإسبانى، نادى الأدب الأندلسى، المؤتمر العالمى للعمارة الإسلامية، نادى الحوار العربى - الأوروبى. ويمكن للمنتدى العالمى أن يعقد بروتوكولات تعاون مع جامعة الأندلس فى اليمن، وجامعة الأندلس فى سوريا، والمنتدى الثقافى الشهير بالمملكة المغربية «جامعة المعتمد بن عباد الصيفية». كما يمكنه إقامة علاقات ثقافية مع جامعة غرناطة فى إسبانيا، وهى جامعة إسبانية كبرى يصل عمرها إلى خمسة قرون، وتضم قرابة المائة ألف طالب. ومن جامعة غرناطة إلى المؤسسات الإسلامية الوسطية فى القارة الأوروبية.

إن سيناء التى تشهد طفرة كبيرة من التطور والتنمية.. إنما تحتاج أيضاً إلى مؤسسات ثقافية وفكرية.. تضع القصيدة إلى جوار المصنع، والأدب بمحازاة الاقتصاد. لقد قدمت «العريش» عائلة «العبّاد».. العائلة المالكة الأندلسية ذات يوم، ومن الواجب أن يكون نجم العائلة المعتمد بن عباد.. عنواناً على منتدى مصرى عالمى للفنون والآداب.

 

نقلًا عن جريدة "الوطن" المصرية



كلمات دالة

المعتمد بن عباد، الأندلس، العريش

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية