• Friday, 04 December, 2020
  • 03:53 PM
الرئيسية العالم

حرب اللاحرب .. عصير ساخن مع رولان دوما


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-17 03:22:34

قد يكون السياسي الفرنسي البارز "رولان دوما" هو أشهر وزير خارجية في تاريخ الجمهورية الخامسة. إن "دوما" هو صديق عُمر للرئيس فرانسوا ميتران، وقد عمل معه وزيرًا للشئون الأوروبية، ثم وزيرًا للخارجية.

التقيتُ الوزير "رولان دوما" في باريس عام 2008. كان "دوما" في السادسة والثمانين من عمره. كان حاضرًا وواثقًا على نحوٍ لافت.. وقفَ السياسي المخضرم أمام نافذة منزله وأشار إلى نهر السين وقال: "إنّني أرى الأفق بوضوح كما أرى باريس من خلف هذا الزجاج، وأقولك لك: إن العالم العربي قد عاش سنواتٍ صعبة، ولكنّه سوف يعيش سنواتٍ أصعب. المستقبل ليس في صالح منطقتكم. اللاعبون الكبار يعرفون ماذا يريدون، وعندكم لا يوجد الاستعداد لخوض أيّة مباراة".

بعد عشر سنوات من لقائي مع "رولان دوما" كان الرجل لايزال عند رؤيته. وفي عام 2019 - وبينما "رولان دوما" في السابعة والتسعين من العمر - يمضي السياسي في طريقه، متصادمًا مع أوروبا والولايات المتحدة ومهاجمًا إسرائيل. لم يتغيّر "رولان دوما" منذ قابلته قبل أكثر من عشر سنوات، على الرغم من المياه الهائلة التي جرت في نهر السياسة.

كان  "رولان  دوما" نائبًا في البرلمان الفرنسي أثناء مشاركة فرنسا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولمّا سألته: كيف كان موقفك من العدوان على بلادنا؟ قال دوما: كنتُ ضد العدوان بالطبع، وقد عارضتُ قرار الحكومة الفرنسية أثناء وجودي في البرلمان. لقد كانت حرب خاطئة تمامًا. ولكنّني ومن كنتُ معهم في معارضتها.. لم نتمكّن من إيقافها.

قلت لوزير خارجية فرنسا الأسبق: لقد كنتَ قريبًا من الرئيس صدام حسين، وكنتَ أحد أعضاء لجنة الدفاع عنه بعد اعتقاله. هناك نظرية سائدة في العالم العربي أن واشنطن هى التي أوعزتْ لصدام حسين بغزو الكويت.. كيف ترى هذا الطرح؟

أجابني "رولان دوما" نافيًا النظرية.. وقال: لقد التقيتُ الرئيس صدام حسين أكثر من مرة عندما كنتُ وزيرًا للخارجية. إنَّهُ لم يكن سهلًا أبدًا، لكن كان يجب أن يحظى بمحاكمة عادلة. لقد جاءني وزير أمريكي سابق لزيارتي هنا في هذا المنزل، وطلبَ منّي أن أكون معه في اللجنة التي شكلّها للدفاع عن صدام حسين. وقد ساهمتُ معه في إعداد مرافعات الدفاع. لكن لم نستطع الحصول على تأشيرة الدخول.

إنّني لا أصدّق رواية أن السفيرة الأمريكية هى التي أوْحت لصدام بالموافقة على الغزو، أو غضّ الطرف عنه. إن رواية المؤامرة الأمريكية هى رواية غير صحيحة. لقد كان صدام على قدر كبير من الدهاء، وهو الذي روّج هذه الرواية للدفاع عن موقفه في غزو الكويت، لكنّه - في الحقيقة - كان يمتلك تصوّرًا سابقًا عن ضمّ الكويت لأسباب تتعلق بالنفط والسطوة.

قلتُ للسيد "رولان دوما": هناك نظريّة أخرى بشأن القصف الإسرائيلي لمفاعل أوزيراك - تموز العراقي عام 1981، وهى مبنية علي افتراض يقول بتواطؤ فرنسا مع إسرائيل في ذلك. وتبني الرواية أسانيدها على أمرين: الأول اغتيال عالم الذرة المصري يحيى المشد أبرز القادة العلميين للمفاعل، وكان الاغتيال في باريس. والأمر الثاني: هو امتلاك إسرائيل رسومًا دقيقة للمفاعل، وهو ما قد خلقَ شكوكًا بأن فرنسا ربما تكون قد أعطت تلك الرسوم لإسرائيل.

قال "رولان دوما": هذا غير صحيح.. فرنسا كانت غاضبة للغاية، لقد قصفت إسرائيل المفاعل النووي العراقي قبل وصول "فرانسوا ميتران" إلى الرئاسة بأيام. وقد كان "ميتران" متأثرًا للغاية. إن فرنسا هى التي ساعدت العراق، وهى التي بنتْ المفاعل، وهناك مهندس فرنسي قُتل في الغارة الإسرائيلية. ولم تعتذر إسرائيل لنا. وقد زاد ذلك من غضبنا. إننا لا يمكن أن نعقد صفقة كهذه. لقد قامت إسرائيل بالتنسيق مع أطراف أخرى في ذلك، أما فرنسا فقد ظلت غاضبة لفترة طويلة جرّاء الغارة على المفاعل.

قلتُ للسيد "رولان دوما" لقد جرى  قصف آخر لمواقع في سوريا قالت إسرائيل إنها مواقع نووية، وكان ذلك بعد سنوات طويلة من القصف الإسرائيلي للمفاعل العراقي. هل كانت سوريا هى الأخرى على الطريق النووي كما جرى الترويج لذلك؟ قال رولان دوما: هناك مؤامرة على سوريا.. لا أعرف أبعادها الآن، لكنها حقيقية وخطيرة.

في يونيو 2013 عاد رولان دوما إلى الموضوع وتحدث لوسائل إعلام عربية ودولية قائلًا: المؤامرة على سوريا بدأت قبل الربيع العربي. لقد زارني في باريس مسئولون بريطانيون، وقالوا لي: إن هناك شيئًا يتم تحضيره لسوريا. رفضتُ أن أشارك بالطبع، لكن فرنسا شاركت.

لقد تحدث رولان دوما عن "برنار هنري ليفي" الذي كان أحد المحرضّين الكبار لأحداث العالم العربي.. وقال ساخطًا: كيف يمكن لمفكر وضيع مثل "برنار هنري ليفي" أن يلعب دورًا مهمًا في الجمهورية الفرنسية؟

يمتد موقف رولان دوما إلى القول بنفوذ يهودي كبير في دوائر القرار الفرنسية. وفي فبراير 2015 اتهم رولان دوما رئيس الوزراء "مانويل فالس" - الذي طالب بتعزيز الأمن ضد "الفاشية الإسلامية" - بالتصرّف تحت تأثير اليهود، وأشار إلى زوجته اليهودية قائلًا: "الكل يعرف أنّه متزوج من إمرأة تؤثر عليه". وقد أدت تصريحات "دوما" إلى إدانة الحزب الاشتراكي الذي قال: "إن حديث دوما لا يليق باشتراكي يحمل وسام الجمهورية".

لايزال "رولان دوما" وفيًّا لميتران، وقد حظى كتابه عن ميتران "ضربات وجراح.. خمسون عامًا من الأسرار المشتركة مع فرانسوا ميتران" والذي صدر عام 2011 باهتمام شديد.

بينما يذهب النقاش هنا وهناك، قال لي "رولان دوما" ضاحكًا: عليك أن تشرب عصير البرتقال، لقد ذاب بعض الثلج وأصبح العصير ساخنًا.

لازلتُ أتذكر لقائي مع السيد دوما، ولازلتُ أفكر في رؤيته بأن حرب سوريا هى كلها مجرد خطوة ضمن خطوات عزل إيران. كيف يمكن أن يكون تدمير حضارة، وإخراج مدن بسكانها من حقائق الجغرافيا إلى غياهب التاريخ.. هى مجرد تكتيك أو خطوة عابرة؟!

لازلتُ - أيضًا- أفكر في ما قاله لي "رولان دوما" بشأن وضع إيران تحت ضغط هائل ومستمر حتى لو لم تقم الحرب. إنه نموذج قد أُسّميه "حرب اللاحرب".. أي خلق حالة من الحرب دون قتال. إن إيران تقف وراء أزمة العالم العربي، كما أنها تقف بما تمتلك من إيديولوجيا فاشلة وراء احتمالات حرب أهلية في العالم الإسلامي. لكن خطورة "حرب اللاحرب" أنها ابتكار جديد ومخيف.. وهو قابل للتكرار مع أيّة دولة أخرى، حتى لو كانت اليوم في عِداد الأصدقاء.

إنّ "حرب اللاحرب" نموذج جديد في إدارة الصراع الدولي، حصار سياسي، وتدمير اقتصادي، وحرب نفسية ضاغطِة.. من دون طلقة رصاص. إنّه القتل البطئ للدولة والمجتمع من دون طائرات أو دبابات. لا معارك ولا سلام.. لا أمن  ولا حياة. نصرٌ بلا قتال، وهزيمةٌ بلا حرب.

 

نقلًا عن صحيفة "الأهرام

 



كلمات دالة

رولان دوما، سوريا، صدام حسين، مفاعل أوزيراك العراقي، فرانسوا ميتران، إيران

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية