• Sunday, 09 August, 2020
  • 03:45 PM
الرئيسية العالم

الزعيم ينافس ابنته.. قهوة فرنسية مع جان ماري لوبان


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-17 03:24:48

في عام 2018 أصدر زعيم اليمين المتطرف الفرنسي جان ماري لوبان مذكراته تحت عنوان "ابن الأمة". كان "لوبان" الذي ولد عام 1928 يحتفل بعامه التسعين.. حين نفذت الطبعة الأولى من كتابه فور صدورها.

هاجم "لوبان" الزعيم الفرنسي شارل ديجول لأنه صافحه بدون اهتمام وهو صغير، ثم إنه أضاعَ الجزائر من فرنسا وهو كبير.

إن "جان ماري لوبان" هو صانع الضجيج السياسي الأول في فرنسا، وقد خسر قرابة (10) قضايا أمام المحاكم. وكان آخر ما خسر هو اتهامه بإنكار غرف الغاز التي أحرق فيها هتلر اليهود، وقال: "إنها من تفاصيل الحرب العالمية الثانية". ولما سألته الصحافة: هل لايزال على رأيه قال: "نعم.. إنها من تفاصيل الحرب، إلّا إذا كانوا يريدون القول بأن الحرب العالمية الثانية هى من تفاصيل غرف الغاز"!

لم يتعلق الأمر فقط باليهود، ففي نفس العام خسر قضية تتعلق بهجومه على الغجر الرّوما. وقال إن رائحتهم كريهة، وأنهم قد نقلوا "الجَرَب" إلى الفرنسيين.. ثم قال: "يكفي أن تزور مخيم للغجر الروما لكي تدرك ذلك انطلاقًا من حاسّة الشمّ".

إن "جان ماري لوبان" الذي خاضَ الانتخابات الرئاسية ضدّ الرئيس جاك شيراك، وخسِر أمامه في جولة الإعادة.. قد خاضَ معركة ضد ابنته "مارين لوبان"، ونصف معركة ضد حفيدته "ماريون لوبان". أطاحت "مارين" بوالدها من زعامة الحزب، وحلّت "ماريون" محلّ جدّها في دائرته الانتخابية.

إن السيدة "مارين لوبان" المعادية للأجانب قد عاشت جدتها في مصر، حيث أقامت في الإسكندرية عشرين عامًا، أما والدة جدتها فهى مصرية ولدت وعاشت في محافظة أسيوط. وعلى الرغم من شهرة والدها السيد "جان ماري لوبان"، إلّا أن والدتها لم تكن معروفة بالقدر الكافي. لكن موقع "سبوتنيك" الروسي يشير إلى أن والدتها قد ظهرت صورتها بشكل غير مناسب في إحدي المجلات الأمريكية عام 1987، بعد طلاقها من والدها.. وذلك ردًّا على هجوم الزوج لوبان عليها بقوله: الشئ الوحيد الذي تنجح فيه المرأة هو الأعمال المنزلية والطبخ.

زرتُ الزعيم اليميني "جان ماري لوبان" في باريس قبل أعوام. كانت الزيارة في قصر عتيق يقع في ضاحية أرستقراطية على أطراف العاصمة الفرنسية. وكانت "مارين" حاضرة مع والدها.. أخذنا العديد من فناجين القهوة الفرنسية وبعض المخبوزات الرقيقة.. وتحدثنا عدة ساعات في عدة قضايا.

تحملت المترجمة الأستاذة نادرة الديب جهدًا كبيرًا.. من تمدّد النقاش وتشعب الحوار، ومن الانتقال من الصالون إلى شرفة القصر، إلى صالون آخر على مدى الزيارة.

تواجه فرنسا في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون تحديات كبيرة، ويرى البعض أن كثيرًا من الطرق تؤدي إلى مارين لوبان.. وأنها وإن كانت وصيفة الرئيس في الانتخابات الأخيرة.. ربما تكون الرئيسة القادمة.

لم تتحدّث السيدة لوبان كثيرًا في ذلك اللقاء، ولكنها كانت توافق والدها في كلّ ما يرى تقريبًا. بدت لي ودودةً أكثر مما هى في الواقع، ومعتدلةً أكثر ممّا تظهر وتطرح. ولكن صعودها اللاحق إلى زعامة الحزب قد كشف عن رؤيتها الزاعِقة، وآرائها المثيرة.

تحظى "مارين لوبان" اليوم بقبول الرئيسين ترامب وبوتين، وقد تبادلا معها الإطراء. وهو ما يراه البعض توافقًا أمريكيًا وروسيًا على دفع فرنسا نحو المجهول.

إن "مارين" تحمل أكثر من تسعين بالمائة من فكر والدها.. ولكنها أوفر حظًّا منه، ذلك أنها تستفيد من مشكلات الداخل، ومن تواطؤ الخارج.. على نحوٍ غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة.

قبل سنوات، وجدتُ "جان ماري لوبان" متفائلًا بما يجري، وأنه يمضي في طريقه إلى الإليزيه بعد رئاسة نيكولا ساركوزي. قلت لـ"جان ماري لوبان": إنك ضد المهاجرين، وأيضًا ضد ساركوزي الذي هو أيضًا ضد المهاجرين. وأنت ضد اليهود، وأيضًا ضد المسلمين. وأنت تتحدث عن حرية فرنسا، ولكنك حاربتَ ضد بلادنا في العدوان الثلاثي، وحاربتَ ضد الجزائر وعارضتَ الاستقلال.. أىّ مشروع فكري تتبناه وسط هذه التناقضات؟.. تحدث جان ماري لوبان كثيرًا، وكان علىّ أن استمع.. فلربما فهمتُ جوانب مما يجرى في فرنسا والعالم.

 

أولًا: الدولة وليس الأمة. قال لي "جان ماري لوبان": أنا ضدّ الاتحاد الأوروبي كما يتشكّل الآن، وكما يسعى ليكون كيانًا من حطام الدول. أنا مع "الدولة" ضد "العولمة". لا أريد أن يكون العالم قرية صغيرة يتشابه فيها الناس جميعًا. كل أمة لها الحق في الوجود بخصوصيتها التي تشكل ثروة هذا العالم. حينما أذهب إلى القاهرة لا أذهب لكى أجد نابولي، وحين أذهب إلى نابولي لا أريد أن أجد الشرق. أنا أحب تنوّع العالم. هذا ضمانة للأمن والجمال معًا.

العولمة أيضًا نظرية مادية، وهى اختزالية، وهذا خلل.. فالإنسان ليس مجرد منتج أو مستهلك.. الإنسان يمثل قيمًا أكبر من ذلك. لقد كان هذا موقفي منذ وقت مبكر، فلقد أعطيت صوتي ضد السوق الأوروبية المشتركة عام 1957. كان دعاة السوق يقولون إنها مجرد مرحلة من أجل إقامة "الولايات المتحدة الأوروبية". هذا مشروع كريه، ولذلك عارضت هذا الاختزال للخصائص الغنية للتاريخ الأوروبي في كيان واحد. الحياة ليست اقتصادًا وتجارة فحسب.. الحياة أكبر من ذلك. وهذا ما لا يفهمه أنصار الاتحاد الأوروبي أو العولمة.

 

ثانيًا: أحب بناتي أكثر من بنات إخوتي. قلت للسيد جان ماري لوبان.. الأمر ليس العولمة أو غيرها.. أنتم متهمون بالعداء للأجانب. قال: لدينا شعار في حزب الجبهة الوطنية "أحبّ بناتي أكثر من بنات إخوتي، وبنات إخوتي أكثر من بنات أعمامي، وبنات أعمامي أكثر من جيراني. لكن هذا لا يعني أنني لا أحب جيراني".. الشئ نفسه ينطبق على السياسة الدولية.

إن عدد البشر يزداد بقوة في قرن واحد من (1) مليار نسمة إلى (7) مليار نسمة. إننا ذاهبون إلى صراع لا مفرّ منه.. كارثة عالمية: مجاعة أو وباء أو حرب كبرى. إن الهجرة إلى الدول الغنية هو تدمير لها. يجب أن تعيش هذه الشعوب بكرامة على أراضيها. لو تركنا الأمور هكذا سوف يذهب الجميع إلى صراع شديد.. إلي الصراع علي قطعة خبز أو شربة ماء!

 

 ثالثًا: تعدد الأقطاب هو الحل. قلت للسيد جان ماري لوبان: لقد شاهدت صورة هنا على الحائط من لقائك مع الرئيس الأمريكي رونالد ريجان. علاقتك بواشنطن تبدو جيدة. قال لوبان: أنا غير منحاز للسياسة الأمريكية. أنا مع ظهور أقطاب أخرى وإعادة التوازن إلى العالم.

إن أمريكا اليوم في حالة توتر. إنها لم تتعرض لأي هجوم على أراضيها قبل 11 سبتمبر، نحن نتحدث عن ثلاثة آلاف قتيل في يوم واحد. هذا لم يحدث أبدًا. لقد حدث عندنا هنا في أوروبا، كان ذلك متوسط من يسقطون في المدن الأوروبية يوميًا أثناء الحرب العالمية الثانية. في مرسيليا وحدها سقط خمسة آلاف قتيل في يوم واحد. إنني أتفهم "الخضّة" الأمريكية، لكن لا يجب استغلال ذلك للقيام بأعمال عدوانية تجاه الآخرين.

 

رابعًا: عادت فرنسا لتنحصِر في قارة واحدة. قال لوبان: إن تخلي فرنسا بشكل مفاجئ عن الشعوب المسلمة التي كانت موالية لفرنسا.. لم يكن صفحةً جميلة في بلادنا. كان رأيي أن الجزائر فرنسية، وأن فرنسا توجد في قارتين: أوروبا وأفريقيا، وأن يصبح كل الجزائريين مواطنين فرنسيين بشكل كامل. لم تتعامل الحكومة الفرنسية مع قضية الجزائر بالشكل المناسب.

لقد أدركتُ أن فهم جان ماري لوبان لقضية الجزائر هو فهم سطحي محدود.. ذلك أن استقلال الجزائر لم يكن هبةً من فرنسا، ولا تنازلاً من شارل ديجول.. بل كان ذلك نتيجة حرب استقلال عظيمة خاضتها الجزائر ودفعت في مجملها أكثر من سبعة ملايين شهيد. إن ثورة المليون شهيد تطلق علي الثورة الأخيرة، لكنها علي وجه الإجمال ثورة السبعة مليون شهيد.

 

خامسًا: قامت واشنطن بتضليل صدام حسين عن عمد. قال لوبان: إن نظام صدام حسين ديكتاتوري، لكنه ليس النظام الديكتاتوري الوحيد في العالم. إنّنا نتعامل مع حكومات مماثلة.

وخلافاً لما قاله لي رئيس وزراء روسيا الأسبق يفجيني بريماكوف حين التقيته في جزيرة مالطا، قال لي جان ماري لوبان: إن الغرب هو الذي دفع العراق لدخول الحرب مع إيران، وهو الذي دفعه أيضًا لغزو الكويت. السفيرة الأمريكية في بغداد هى التي قالت له إن الأمريكان لن يتدخلوا في الشرق الأوسط. وكان هذا تضليلًا متعمدًا وعن قصد.

لقد جرى تدمير العراق بسلاحيْن: سلاح الحصار وسلاح الحرب. وقد شكلّت مع زوجتي جمعية لمناصرة الشعب العراقي ضد الحصار.

قلت لـ"جان ماري لوبان": إنك التقيت صدام حسين، فهل سمعت في بغداد عن أسلحة دمار شامل؟ قال لوبان: نعم ذهبت إلى العراق، توسطّت لدى صدام للإفراج عن رهائن فرنسيين وأجانب. وقد تسلّمت (60) أوروبيًا في طائرة تابعة للخطوط العراقية للعودة إلى بلادهم. وهنا بدأت الصلات الشخصية بيننا.

احتسى لوبان بعضًا من القهوة الفرنسية ثم قال: لم يمتلك صدام حسين أيّة أسلحة دمار شامل. أودّ أن أقول إن هناك كلمة لا ينطقها أحد في كل تلك السياسة تجاه الشرق الأوسط: إنها البترول.

 

سادسًا: يجب إقامة دولة فلسطينية. يرى لوبان أنه يجب أن يحصل الفلسطينيون على دولة، فهم من سكنوا هذه الأرض منذ زمن بعيد، والعدل يوجب ذلك. أن تكون إسرائيل داخل حدود 1967، وأن تتوقف حركة الاستيطان، وأن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه.. وأولها دولته المستقلة.

 

سابعًا: كانت فيتنام تتحدث الفرنسية والآن تتحدث الإنجليزية. سألت السياسي الفرنسي جان ماري لوبان عن دوره في حرب الهند الصينية.

والهند الصينية هى فيتنام ولاوس وكمبوديا، وحرب الهند الصينية الأولى خاضتها فرنسا في فيتنام وانهزمت 1954، والحرب الثانية خاضتها أمريكا في فيتنام وانسحبت 1957. وقد عانت هذه الدول من ويلات الحربيْن معاناة شديدة.

قال لوبان: لقد كانت حربنا في الهند الصينية حربًا أيديولوجية، حاولنا منع سقوطها في الشيوعية بعد ما أعطينا دولها الخمس الاستقلال. كنت ضابطًا في الجيش، وحاربنا هناك حتى تنجو فيتنام وكمبوديا من الشيوعية.

كان الأمريكيون أشد قسوة منّا في حربهم هناك. لكن المدهش هو أنهم لم يلوموا الأمريكيين، وبعد أن كانت ثقافتهم فرنسية، أصبحوا ذوي ثقافة أمريكية، ويتحدثون الإنجليزية!

 

ثامنًا: اليابان هشة وفرنسا تحت الحماية الأمريكية. فاجأني جان ماري لوبان بالقول: إن اليابان دولة هشة، وستكون أكثر هشاشة لو حدثت أزمة كبرى، أو ارتفعت أسعار النفط. الأقطاب الكبرى في العالم غدًا ليست من بينهم اليابان. وبالنسبة لفرنسا فإن ساركوزي ممثل وليس رئيس. يتصرف من أجل الإعلام وليس من أجل الدولة. لقد انحاز لأمريكا بشكل مطلق، وقد جعل فرنسا تحت الحماية الأمريكية.

 

ولما جاء الحديث عن مصر قلت له: نحن المصريون لا نحبّك ولا ننسى أنك حاربت ضد بلادنا في أثناء العدوان الثلاثي. قال لوبان: كنت قائد لواء مظلات. ذهبنا إلى بورفؤاد. لم أقاتل، ولكني وجدت نفسي وسط مكان ملئ بالقتلى المصريين العسكريين والمدنيين. قمت بدفنهم في مقابر جماعية، لكن وفق قواعد الشريعة الإسلامية. نزعت أحذيتهم، ودفنتهم باتجاه القبلة. استمرت هذه مهمتي، وقد كانت مهمة صعبة لأن أعداد القتلى كانت كبيرة.

كانت إجابة لوبان مشينة للغاية. قمتُ بالرد عليه. لم يكن يريد الدخول معي في سجال. لقد تجاوز ردي ثم قال: إنني أريد زيارة مصر، أنا أعرف عظمة حضارتها، وما قدمته للحضارة الإنسانية. لكن أحدًا لم يدعوني لزيارتها. قل لهم في القاهرة: إنني أريد زيارة مصر. أنا في انتظار الدعوة.. أى دعوة، وسوف أذهب.

أصبح جان ماري لوبان خارج المستقبل، إذْ لا يمكن للسياسي العجوز إنجاز ما لم يستطِع إنجازه. فلا زعامة ولا حزب، لا شاشة ولا برلمان. لقد أخذت الإبنة كل شئ.

لكن أفكار "لوبان" الأب التي كانت موضع إزدراء فيما قبل، هى الآن تمثل اتجاهًا رئيسيًا في الفكر الأوروبي. فأحزاب اليمين المتطرف لم تعد استثناءً، بل صارتْ الظاهرة الأهم في السياسة الأوروبية .

لقد تحرك اليمين المتطرف في أوروبا من الهامش إلي المتن، انتقل من منتديات صغيرة ومساحات محدودة إلي جغرافيا واسعة وعواصم عديدة.

كان لوبان متطرفاً معزولاً، لكن مدرسته راحت تهرول بلا توقف، وصار بعض رموزها في مواقع السلطة والقرار. إنه صدي جان ماري لوبان القديم.. أو هو صوت أوروبا الجديدة.



كلمات دالة

جان ماري لوبان، مارين لوبان، اليمين المتطرف، حرب الهند الصينية، اليابان، العراق

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية