• Sunday, 09 August, 2020
  • 05:33 PM
الرئيسية العالم

نخبة تائهة.. تركيا تدور في الفراغ


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-23 04:05:11

أصبح أستاذ العلاقات الدولية البارز مستشارًا لرئيس الوزراء، فوزيرًا للخارجية، ثم رئيسًا للحزب الحاكم. التقيتُ الدكتور أحمد داوود أوغلو في القاهرة عام 2011. كان ذلك ضمن لقاء مصغر ضمَّ كتّابًا وباحثين.

كانت مصر في تلك الأثناء عند مفترق طرق تتقارب فيها احتمالات التعثّر في الحاضر أو الخروج إلى المستقبل. ولقد ظنَّ النظام التركي ووزير خارجيته أحمد داوود أوغلو - والذي زار مصر أربع مرات في ستة أشهر - أنَّ بعضًا من أوهام القوة يمكن تحقيقها اليوم.

مضت الأيام لتثبت صحة ما يروْن، ثم مضت أكثر لتثبت الخطأ الكبير. فبعد أن كانت العلاقات بين القاهرة وأنقرة قبل عام 2011 هادئة في السياسة وثريّة في الاقتصاد، انطلقت الحرب الباردة بين مصر وتركيا. لم تربح تركيا الكثير، ثم سرعان ما بدأت الخسائر تتوالى. وبدأ البعض في أنقرة يدرك.. أنَّ الخطر لم يعد يحيط بالطموحات الخارجية فحسب، بل إن الدولة التركية ذاتها قد انزلقت إلى دائرة الخطر.

كان تقدير أحمد داوود أوغلو - منظِّر النظام - أن الخلافات مع دول الجوار والعالم ستصل إلى مستوى الصفر، وبعد سنوات وصل "الوفاق" مع دول الجوار والعالم إلى مستوى الصفر.

كان تقدير "المنظِّر" أن عدد اللاجئين السوريين في تركيا سيصل إلى مائة ألف، ولكنّه وصل إلى أربعة ملايين. وكان داوود أوغلو يقول: "لا يمكن اتخاذ أيّ قرار في المنطقة بدون موافقة تركيا"، ثم أصبح آخرون يتخذون القرارات على حدود تركيا من دون معرفتها.

قبل أعوام كانت تركيا تتحدث عن إسقاط النظام السوري وعن التمدد التركي في المحيط العربي، واليوم تتحدث أنقرة عن الشريط الحدودي، وعن المخاطر الجديدة التي تهدد الأمن القومي التركي.

لم تكن المشكلة الكردية قائمة في الجبهة السورية، كانت نائمةً فأيقظتها أنقرة.. لتضيف إلى ضغوطها ضغطًا آخر، وإلى أعبائها عبئًا جديدًا.

انطلق نظام الرئيس أردوغان إلى الخارج من دون تأسيس إطار فكري للداخل. فالدولة التركية يقل عمرها عن المائة عام. إذْ يسبق تأسيس النادي الأهلي في مصر تأسيس الدولة التركية المعاصرة بستة عشر عامًا.

اتسعت مساحة الترهل الأيديولوجي في تركيا على نحوٍ غير مسبوق. حين أراد "داوود أوغلو" وصف بلاده.. قال: "إن تركيا دولة بلقانية، قوقازية، شرق أوسطية، متوسطية".. وهو وصف جغرافي يصلح للإجابة على سؤال: "أين تقع تركيا؟". ولكنّه ليس إجابة على سؤال الهويّة أو الدور، كما أنه لا يجيب على أسئلة القيم أو الرسالة.

ظلَّ الرئيس أردوغان والحزب الحاكم يتحدثّان عن الدور الإسلامي الإنساني في سوريا، وعن الرؤية الأخلاقية للحرية والكرامة، ولما تغيّرت الأوضاع، ودخلت تركيا نفسها مساحة الخطر، راحت أنقرة تتحدث عن المخاطر على أمن حلف شمال الأطلسي، وعن حماية الحدود الجنوبية للحلف. وهكذا انتقل النظام - بكل بساطة - من حماية الثورة إلى حماية الناتو!

أصبح نظام الرئيس أردوغان وكيلًا للمصالح الغربية على نحوٍ واضح وصريح. وفي إطار "الوكالة" كان هو من استخدم الإرهاب والتطرف الديني كورقة سياسية في إدارة التفاوض أو حسم التنافس. وبعد أن  كانت إسطنبول حاضرة تركيا الأولى ولؤلؤة  البسفور، أصبحت المدينة الساحرة ممرًّا لـ"منتخب العالم  للإرهاب".. هؤلاء في إطار الذهاب إلى ليبيا، وهؤلاء في إطار العودة إلى روسيا، وهؤلاء لينضموا إلى طالبان الصين. والجميع في خدمة الوكيل.

لم يكن تقدير "الوكيل" دقيقًا، ذلك أنه اعتقد أن بمقدوره أن يصبح مالكًا أصيلًا لشبكة الإرهاب الدولية، وأن بإمكانه تغيير مركزه من موقع المقاول إلى موقع المهندس. كان التقدير خطأً، ذلك أن النظام التركي بدأ يدرك أن الامر ليس بيده، وأن "حركة تنقلات" الإرهابيين تدار من المستوى الأعلى، وأنها يمكن أن تستخدم في مواجهة الوكيل نفسه.

لقد بدَا القلق واضحًا في أحاديث وزير الداخلية التركي القوي سليمان صويلو. يقول الوزير: "سنعيد داعش أوروبا إلى أوروبا، إنّ تركيا ليست فندقًا لداعش".. "لو قُمنا بفتح الحدود أمام المهاجرين، وسمحنا لهم بالعبور غربًا، فإن حكومات أوروبا لن تصمد ستّة أشهر".. "من الذي أسّس القاعدة؟ هل نحن الذين أسّسناها؟.. لا. أمريكا هى التي أسست القاعدة، وهى أيضًا التي أسست داعش. إنها تريد تقويض السلام في الأناضول والشرق الأوسط".

هكذا يمضي تناقضًا آخر في الفكر السياسي التركي. إن الدولة التي تقول بأنها تدافع عن الحدود الجنوبية للناتو، تتهم الدولة القائدة للناتو بدعم الجماعات التي تهدد جنوب الحلف!

إن رؤية وزير الداخلية ليست رؤية الرئيس، ذلك أن الرئيس أردوغان لايزال يرى أهمية الاستثمار في التنظيمات الإرهابية، وأن الإمساك بحركة تنقلات الإرهابيين لايزال يمثل تقويةً لمركز أنقرة الدولي في مواجهة أوروبا، وكذلك في مواجهة مصر والعالم العربي.

لقد بدأت على أثر ذلك أكبر عملية نقل خارجي للعناصر الإرهابية، من إدلب إلى إسطنبول ثم إلى طرابس الليبية. وبينما تتحدث حكومات أوروبية ووكالات أنباء عالمية عن أن أكثر من أربعة آلاف إرهابي قد جرى نقلهم عبْر تركيا إلى ليبيا، تتحدث مراكز دراسات عن أن الأعداد ربما تفوق هذه الأرقام.

تلجأ تركيا إلى الولايات المتحدة لدعمها في سوريا، وتلجأ إلى روسيا حليفة سوريا لعدم إخراجها من هناك. ثم إنها تذهب إلى روسيا للحصول على صواريخ دفاعية، وتذهب إلى الولايات المتحدة لاستئناف الحصول على أسلحة هجومية. وهى إذْ تهدد واشنطن بإغلاق قاعدة إنجرليك، فإنها تطلب منها الدفاع عن الحلف. وبينما يقول وزير الداخلية "صويلو": "إن لدينا خيارات أخرى غير الغرب، نحن نجلس مع روسيا وإيران"، فإن روسيا تعمل على إنهاء الوجود التركي خارج الحدود، كما أن لواء فاطميون الشيعي الأفغاني يقاتل مع الحرس الثوري الإيراني ضد تركيا في سوريا!

كان نظام الرئيس أردوغان يسبح مع التيار، ثم إذا به يسبح ضد التيار، ثم ها هو يغرق في "دوامة" مروّعة.. دوران لا ينتهي حول الذات، وحركة دائمة لا تنقطع، لكنها لا تبارح المكان.

كانت المعادلة في طورها الأول: تركيا مع العالم، ثم صارت في طورها الثاني: تركيا ضد العالم، واليوم تدخل البلاد طورها الثالث: تركيا ضد تركيا.

 

 

نقلًا عن صحيفة "لأهرام"

 



كلمات دالة

أحمد داوود أوغلو، أردوغان، تركيا

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية