• Wednesday, 23 September, 2020
  • 03:10 PM
الرئيسية العالم

اللانظام الدولي الجديد.. مقدمة كتاب "حروب واشنطن"


  • أحمد المسلماني

  • 2020-06-28 03:09:54

إنَّ النظام الدولي الذي تأسّس بعد معاهدة فيينا 1815، والذي استمر مائة عام، وكذلك النظام الدولي الذي تأسَّس بعد الحرب العالمية الثانية، والذي استمر أقل من نصف قرن.. قد لا يمكنهما التكرار أبدًا. إذْ تبدو مساحة الاستقرار في العالم في التجربتيْن أكبر مما يمكن تحقيقه اليوم، أو إنجازه في المستقبل.

لم يكن القرن الأول ولا نصف القرن الثاني بمثابة زمن "السلام للجميع".. فقد وقعت العديد من أعمال الغزو، وأشكال الاستعمار، ووقائع القتال. وإنمَّا ينصرف مفهوم السلام هنا إلى "النسبي" لا إلى "المطلق".. أىْ ذلك "السلام المقارن" وليس "السلام التام".

ويبدو العالم اليوم وكأنّ ذلك - على نواقصه - قد باتَ صعبًا للغاية، ذلك أنّ الأزمات الاقتصادية العالمية، وعاصِفة وباء كورونا، وصعود اليمين المتطرف ثم صعود اليسار المتطرف على أثره، وكذلك غياب "القادة الكبار"، وتراجع قدرات النخب العالمية.. إنما يجعل من "اللانظام الدولي" هو الأصل لا الااستثناء.. في حركة العالم واتجاه التاريخ.

لقد أسهمتْ "النظرية الديمقراطية" بدورٍ في ذلك "اللانظام"، ذلك أنّ محاولات المرشحين اجتذاب الأصوات بأىّ طريق، واستقطاب الناخبين بأىّ إرضاء.. قد أوصلَ عددًا كبيرًا من المحدودين فكريًا وسياسيًا إلى سلطة القرار.. ثم إنَّهُ قد جعلَ من التنافس السياسي بين الأفكار والرؤى، وبين الأحزاب والساسة.. مجالًا للحروب غير الجادة.. تلك التي ترتكز على الإعلام والمناظرات ووسائل التواصل وأدوات الاغتيال المعنوي.. من دون النظر إلى اغتيال المصلحة الوطنية ذاتها.. وسط تلك الجولات من صراع المال والإعلام.

في عام 1991 أشار الرئيس جورج بوش الأب إلى نشأة "النظام العالمي الجديد". وحين وصل الرئيس ترامب إلى السلطة عام 2017 تحدث آخرون عن نظام عالمي جديد. ولمّا حلّت عواصف الوباء عام 2020، جرى الحديث عن "عالم ما بعد كورونا"، ورأى البعض في توازي الأزمة المالية العالمية مع حربين باردتين أمريكيتين، إحداهما مع روسيا والثانية مع الصين، وسط إعادة النظر في حركة البشر في ظل جغرافيا الوباء.. رأوْا في اجتماع ذلك كله في لحظةٍ واحدةٍ.. بدايةً لنظام سياسي واجتماعي جديد.

شهد العالم حربًا باردةً قاسية بعد الحرب العالمية الثانية، وهو يعود ليشهد اليوم حربيْن باردتيْن أشدّ قسوة، حيث أضحت الكثير من سياسات العالم أسيرة المثلث الأمريكي الروسي الصيني.. وما يمكن أن ينتج عن تفاعلاته.

لقد جاء الرئيس دونالد ترامب من دون وضوح أيديولوجي أو ثبات استراتيجي. وهو إذْ يعتبر الصين العدو الأول، يواصل الحرب على روسيا، كما أنّه يواصل التضييق على إيران وكوريا الشمالية، ثم إنه في الوقت نفسه يطالب الحلفاء بدفع الأموال مقابل التحالف، مهددًا بالتخلّي عنهم في حال عدم الانصياع. والرئيس ترامب في ذلك كله.. لا يمتلك مسارًا محددًا أو خطًّا واحدًا في أىّ من ملفات السياسة الخارجية.

وإذْ يعتمد الرئيس ترامب في نصوصه السياسية على تلك التعليقات القصيرة على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، فإن حجم التناقضات في نصوصه تكاد تغطّي معظم مجالات السياسة الخارجية. ومن السهل أن يرصد المتابع مديحًا وهجومًا على طرف مّا، واستخدام ألفاظ بلاغيّة غير معتادة بروتوكوليًّا في المديح، والأمر ذاته في النقد والهجوم.

يبدو "الخطاب التويتري" للرئيس ترامب في أحايينَ كثيرة أشبه بالمضمون السائد على مواقع التواصل.. حيث السرعة والكثافة والانفعال والتناقض.. معًا.

إنَّ أبرز معالم الاستراتيجية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب: الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، ودعم تفكيك الاتحاد الأوروبي، ونقد الشركاء الألمان والفرنسيين في حلف الناتو، والحرب الاقتصادية والسياسية مع الصين، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، والتواصل الدبلوماسي على المستوى الرئاسي مع كوريا الشمالية من دون اتفاق، وغياب الرؤية بشأن سوريا وليبيا، وغموض سياسات مكافحة الإرهاب على الرغم من هزيمة تنظيم داعش ومقتل أبوبكر البغدادي والمشاركة في قمة الرياض، والدعم غير المسبوق لإسرائيل مخالفًا القانون الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة.

قام الرئيس ترامب بتغييرات كبيرة ومستمرة في إدارته، من البنتاجون إلى وزارة الخارجية، ومن وكالة المخابرات المركزية إلى جهاز المباحث الفيدرالية. وقد شهدَ في سنوات أربع شهاداتٍ معادية من رجال إدارته، وكُتبٍ ناقدةٍ لأدائه من قبل من عملوا معه.. من ستيف بانون إلى جون بولتون.

في أكتوبر عام 2018 قرّرَ الرئيس ترامب - على نحو مفاجئ - الانسحاب من معاهدة الصواريخ النووية متوسطة المدى، وفي أغسطس 2019 انسحبت واشنطن رسميًا من المعاهدة.

لقد صمدت هذه المعاهدة ثلاثين عامًا، منذ قام الرئيس الأمريكي رونالد ريجان والزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف بتوقيعها عام 1987. وقد نجحت المعاهدة التي تحظر وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى التي تُطلق من البرِّ في أوروبا، وهى الصواريخ التي يتراوح مداها ما بين (500) و(5500) كم، في إضعاف قدرة أى من الدولتين على توجيه ضربات نووية.

برّر الرئيس ترامب قرار الانسحاب بعدم التزام روسيا بالمعاهدة، وهو ما أعاد تأكيده للأمين العام لحلف الناتو. ولكنّ روسيا التي رفضتْ اتهامات واشنطن ردّت باستعدادها لنشر صواريخ نووية روسية على متن سفن أو غواصات قرب المياه الأمريكية.

كان هناك وجهٌ مهم في تلك الأزمة، وهو طلب الولايات المتحدة أن تنضمّ الصين إلى المعاهدة لتكون معاهدة ثلاثية لا ثنائية، وكان ردّ دوائر التفكير الاستراتيجي الصيني على مطالب الرئيس ترامب بوقف تطوير الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى.. أنّ الصين ليست طرفًا في المعاهدة.

إن انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة النووية للصواريخ متوسطة المدى، لم يمنعها من تهديد إيران في حال انسحابها من معاهدة الحدِّ من انتشار الأسلحة النووية.. وهى المعاهدة الدولية التي جرى إبرامها عام 1968 وجرى التوقيع عليها من قبل (190) دولة. وهى تحظر امتلاك هذه الدول للأسلحة النووية.

لا يملك الرئيس ترامب استراتيجية محددة تجاه إيران، إلّا إذا كان ممكنًا اعتبار الطريقة المضادة لمنهج أوباما هى استراتيجية بذاتها. كان الرئيس باراك أوباما قد قطع نهجًا سائدًا منذ عقود وتواصل مع إيران، وسمحَ بلقاءات على مستوى وزراء الخارجية، ثم توّج ذلك المسار بعقد الاتفاق النووي عام 2015.

قام الرئيس ترامب بالخروج من الاتفاق حيث ألغى الاتفاقية من جانب واحد، على الرغم من اعتراض القوى الأوروبية المشاركة في الاتفاق. تعددت محطات الاحتكاك الأمريكي الإيراني من بعد الانسحاب من الاتفاق النووي. ففي يونيو 2019 أسقطت إيران طائرة مسيّرة أمريكية، وأعلن ترامب أنَّهُ أوقف ضربة عسكرية لإيران في اللحظة الأخيرة، بعد أن عرف عدد القتلى الذين سيسقطون فيما لو وقع هذا الهجوم.

وفي يناير 2020 قامت الولايات المتحدة باغتيال قائد عسكري إيراني بارز هو قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. وأيّد الناتو - بدوره - قرار الاغتيال، وهاجمت إيران الهجوم الأمريكي، ثم قامت بتوجيه ضربات صاروخية إلى قواعد يتواجد فيها أمريكيون في العراق. وبينما قالت إيران إنها قتلت (80) شخصًا بعد إطلاقها (16) صاروخًا، نفى الجيش الأمريكي مقتل أي شخص. أعلن الأمين العام لحلف الناتو "ينس ستولتنبرج" أن نظام الدرع الصاروخية للحلف في روما جمع معلومات مهمة خلال الضربات الصاروخية الإيرانية مع أهداف عسكرية أمريكية في العراق.

قام ترامب بفرض عقوبات جديدة على إيران بعد الضربات الإيرانية لقواعد في العراق، حيث أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية تقييدات جديدة. لم يمنع ذلك التصعيد الرئيس ترامب من الإشارة إلى إمكانية رفع العقوبات عن إيران في حال استجابة إيران للمطالب الأمريكية، وهى المطالب التي لم يحدِّدها ترامب على نحو واضح.

في مارس 2020 وقع هجوم صاروخي - جديد - على معسكر التاجي في العراق. واتهمت الولايات المتحدة إيران بالوقوف وراء جماعات عراقية نفذت الهجوم. ومرةً أخرى نقل مسئولون أمريكيون عن الرئيس ترامب قراره بعدم الردّ القاسي على الهجوم بسبب وباء كورونا.

في أبريل 2020 عرض الرئيس ترامب تقديم مساعدات لمواجهة كورونا، وإرسال أجهزة تنفس صناعي إلى طهران. وقد رفضت إيران العرض الأمريكي، وقال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف: "كل ما يجب أن تفعله أمريكا هو وقف التدخل".

وفي يونيو 2020 بدت ملامح وفاقٍ جديدٍ في الأفق. فبعد عرض الرئيس ترامب للدعم الطبي لطهران بشهرين قامت إيران بإطلاق سراح البحَّار الأمريكي المحتجز "مايكل وايت". وعلى الفور قام الرئيس الأمريكي بشكر إيران، ودعا إلى إبرام "صفقة كبرى" قبل الانتخابات الأمريكية.

وهكذا من الخروج من الاتفاق النووي إلى اغتيال قاسم سليماني إلى فرض عقوبات جديدة، ومن إلغاء ضربتيْن أمريكيتين إلى عرض المساعدات الطبية إلى اقتراح صفقة كبرى.. مضت سياسات الرئيس ترامب تجاه إيران.

يمتدّ ذلك الارتباك إلى السياسة الأمريكية في سوريا، فمن الهدف الاستراتيجي "قتال داعش" إلى هدفٍ آخر "مراقبة إيران" من سوريا إلى هدفٍ ثالثٍ وهو الانسحاب من سوريا، ثم إلى هدفٍ رابعٍ وهو الاستيلاء على  جزءٍ من النفط السوري.

تصف مجلة "ناشيونال انترست" سياسة الرئيس ترامب المتأرجحة في سوريا: إن الاستيلاء على نفط سوريا هو أسوأ سبب لتبرير الوجود الأمريكي في دولة أجنبية. لقد عبّر ترامب عن حراسة النفط بأسوأ طريقة ممكنة. قال ترامب: "بالنسبة لنفط سوريا فإنَّهُ يُساعد الأكراد، ولكنه يساعدنا أيضًا، لأننا يمكن أن نحصل على جزء منه. وما أنوي القيام به هو عقد صفقة مع شركة إكسون موبيل أو أى شركات كبرى للذهاب إلى هناك، واستخراج النفط على أكمل وجه. إنّ أي خبير دعاية لداعش أو القاعدة يعجز عن كتابة هذه الكلمات لنقل الفكرة للجمهور بأفضل ممّا فعل ترامب.

لكن تحليل الدوريّة الأمريكية لا يعني الرئيس ترامب كثيرًا، فحسب تصريحه في يناير 2019 فإن "سوريا ضاعت منذ زمن ولم يبقْ فيها سوى الرمال والموت". وبتقديره: لا فائدة لأمريكا من وجودها في سوريا، سوى الاستيلاء على ما يمكن الاستيلاء عليه من النفط القليل في البلاد.

وفي ليبيا كان ارتباك السياسة الأمريكية أكثر وضوحًا، حيث تتحدث واشنطن عن دعم القاهرة، ولكنها تتحدث أيضًا عن دعم أنقرة. ثم إنها تصرح بدعم الجيش الوطني والمشير حفتر، وهى أيضًا تتحدث عن دعم حكومة الوفاق والوجود التركي في طرابلس.

وربما يكون الوجود الروسي غير الرسمي في ليبيا هو الذي جعل الولايات المتحدة تستدعي تركيا لمواجهة روسيا هناك، غير أن إدارة الرئيس ترامب لم تكن تمتلك رؤية من قبل الوجود الروسي أو الاستدعاء التركي.

تمثل كوريا الشمالية نموذجًا لتلك المراوحة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب. فبعد أن أعلن الرئيس الأمريكي في عام 2018 أن كوريا الشمالية لم تعد تمثِّل تهديدًا للولايات المتحدة، صدرت "الاستراتيجية الأمريكية المنقّحة للدفاع الصاروخي" عام 2019 لتصِف كوريا الشمالية بأنها مازالت تمثل "تهديدًا غير عادي".

كان تقدير "جون بولتون" مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق أنَّهُ يجب تطبيق "النموذج الليبي" في كوريا الشمالية. وقد هاجم الرئيس ترامب رؤية بولتون لاحقًا، حين أصدر بولتون كتابه، وقال ترامب: "عندما قال جون بولتون المجنون ذلك، انفعل الزعيم الكوري الشمالي، وانفجر مثل الصاروخ، ولم يكن يريد رؤية بولتون في أي مكان".. "لقد دفعنا تصريح بولتون الغبي إلى الوراء في العلاقات مع كوريا الشمالية".. "كان يجب أن أطرده من منصبه آنذاك".

تجاوز ترامب أزمة بولتون، وفي يونيو 2019 مشى الرئيس الأمريكي بعض الخطوات داخل أراضٍ في كوريا الشمالية في صحبة الزعيم كيم جونج أون.. رمزًا للتفاهم.

نجحت الدبلوماسية الرئاسية في عقد قمتي سنغافورة وهانوي، وأعلن الرئيس ترامب عن نيّته دعوة الزعيم الكوري الشمالي إلى البيت الأبيض. لكن ذلك "الوفاق الإعلامي" لم يسفر عن شئ محدَّد، فقد استمرت كوريا الشمالية في تجاربها الصاروخية في بحر اليابان، كما أنها عادت إلى التوتر في العلاقات مع كوريا الجنوبية، وفي يونيو 2020 قامت كوريا الشمالية بتفجير رمزي لمكتب الاتصالات المشترك مع كوريا الجنوبية داخل أراضيها، وأعلنت أنها لن تلتزم بأيّ اتفاقات.

لقد تضمّنت "الاستراتيجية الأمريكية المنقّحة للدفاع الصاروخي" التي عادت واعتبرت كوريا الشمالية تهديدًا محتملًا للولايات المتحدة، ضرورة تطوير الدفاعات الصاروخية الأمريكية لمواجهة روسيا والصين. حيث يرى بعض الاستراتيجيين في الولايات المتحدة أن الدفاعات الصاروخية الأمريكية مصممة بالأساس لصدّ هجوم دول أصغر مثل كوريا الشمالية، لكنها لا تكفي لمواجهة ضربة أولى على الأراضي الأمريكية من قبل قوى نووية كبرى مثل روسيا والصين.

وحسب "الاستراتيجية المنقحة" فإن الولايات المتحدة تسعى لحماية أراضيها من صواريخ العدو، عبْر تطوير أجهزة الاستشعار وتطوير ونشر أسلحة أمريكية في الفضاء. حيث تجد واشنطن نفسها في حالة قلق متصاعد جرّاء مواصلة بكين تطوير تكنولوجيا السرعات التي تفوق سرعة الصوت، والتي ستزيد من صعوبة رصد وتدمير الصواريخ.

خاضت إدارة الرئيس ترامب حربًا باردةً كثيفة مع الصين، يتعلق جزءٌ منها بتطوير الترسانة العسكرية الصينية، وفرض الأمر الواقع في بحر الصين الجنوبي. ويتعلق جزءٌ آخر بالمواجهة في ملفات تقليدية مثل تايوان وهونج كونج، وملفات جديدة مثل كورونا والإيجور والانتخابات الأمريكية، حيث اتهمت إدارة الرئيس ترامب الصين بأنها أخفت معلومات بشأن وباء كورونا، كما رفعت ولايتا "ميسوري" و"مسيسيبي" دعاوى قضائية تطالب بتعويضات كبرى تقدر بتريليونات الدولارات، وهو التوجه ذاته الذي اتخذه المستشار الاقتصادي للرئيس ترامب "بيتر نافارو". وعلى الرغم من نفى الصين مسئوليتها عن انتشار الوباء، وإشارتها إلى كوْن الجيش الأمريكي مصدرًا مرجحًا للفيروس، فإن إدارة الرئيس ترامب تحدثت عن احتمال تخليق الفيروس في مختبرات الصين. وتحدَّث وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو عن أنه يشكِّك دومًا في الحزب الشيوعي الصيني، كما أنه يشكك في معايير الأمان لدى المختبرات الصينية.

وعلى  صعيد ملف الإيجور، وضعت الولايات المتحدة (28) منظمة صينية على القائمة السوداء، بحجة أنها انتهكت وقمعت الأقلية المسلمة من الإيجور. ووصف "مايك بومبيو" انتهاكات الصين للإيجور بأنها الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

ثم كان تصعيد آخر من إدارة الرئيس ترامب يتعلق باتهام الصين بمحاولة إسقاطه في الانتخابات الأمريكية 2020، وقال الرئيس ترامب "ستفعل الصين كل ما في وسعها كىْ أخسر الانتخابات".

يفسِّر "مايكل جرين" مستشار الرئيس الأسبق جورج بوش الابن للشئون الآسيوية ذلك الصدام العنيف بين واشنطن وبكين، والذي امتدَّ من الحرب التجارية إلى كل المجالات تقريبًا.. بقوله: "هناك نزعة قومية صينية متشددة تواجه نزعة أمريكية قومية تعلن "أمريكا أولًا". قبل الرئيس ترامب كان هناك (20) خبير أمريكي في مركز السيطرة على الأمراض في بكين، وفي عهد الرئيس ترامب لم يعد هناك سوى ثلاثة أشخاص.

بينما لا يُعد التصعيد مع روسيا أو الصين بالأمر المفاجئ تمامًا، فإن التصعيد الأمريكي مع أوروبا يمثِّل جديدًا وغير مسبوق. كان الرئيس أوباما يدعو البريطانيين للتصويت ضدَّ الخروج من الاتحاد الأوروبي، ولكنَّ الرئيس ترامب أيّد قرار الخروج.

ثم امتدَّ الأمر من الاتحاد الأوروبي الذي يرغب ترامب في تفكيكه إلى حلف الناتو، حيث الخلاف مع باريس وبرلين. انتقد الرئيس ترامب ألمانيا عدة مرات بحجّة أنها لا تدفع حصتها المالية في الناتو، كما أنها تتلقى حماية أكبر مما تدفع. ثم قرَّر ترامب في 2020 سحب (10) آلاف من القوة الأمريكية في ألمانيا والتي تصل إلى (35) ألف جندي.. من بين قوة أمريكية إجمالية (عسكرية ومدنية) تصل إلى (52) ألف أمريكي يعملون في الناتو داخل ألمانيا.

يبرِّر ترامب موقفه من ألمانيا بموقف ألمانيا من روسيا، حيث يرى ترامب أن ألمانيا تدفع لروسيا مقابل الغاز ضمن مشروع "السيل الشمالي 2" بينما تدفع أمريكا لحماية ألمانيا. ولم تؤثر كثيرًا تصريحات الحكومة الألمانية "بأن "الأمن ليس سلعة، وحلف الناتو ليس منظمة تجارية" في قناعات الرئيس ترامب.

ترى بعض دوائر القرار الأوروبي أن تفكُّك الناتو سوف يحدث وقتًا ما، ثم إنَّ سرعة استجابة الولايات المتحدة لأى هجوم روسي أو صيني سوف يكون غير ذي جدوى. ومن هنا جاء اقتراح الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" بإقامة حلف أوروبي مستقل، وهو الأمر الذي انتقده الرئيس ترامب. لقد ذهب ماكرون إلى أن ذلك الحلف العسكري الأوروبي.. يمثل حماية لأىّ اعتداء محتمل "حتى من الولايات المتحدة".

وإذا كان ذلك حاصل على الصعيد العسكري، فإنَّه على صعيد بروكسل ترى المفوضية الأوروبية أن تشجيع الرئيس ترامب لبعض الدول للخروج من الاتحاد الأوروبي يمثل خطرًا على أوروبا وأمريكا، حيث يمكن أن تندلع حروب جديدة في منطقة البلقان. وحسبما ذكر "جان كلود يونكر" رئيس المفوضية الأوروبية لنائب الرئيس الأمريكي "مايك بنس": "إذا انهار الاتحاد الأوروبي ستواجه أوروبا حربًا في غرب البلقان. وإذا تركنا البوسنة ومقدونيا وألبانيا بمفردهم.. فسوف تلجأ هذه الدول إلى الحرب".

ويعبّر الرئيس الألماني "فرانك فالتر شتاينماير" عن قلقه من الاستراتيجية الأمريكية تجاه أوروبا والعالم بأن الرئيس ترامب "يريد أن يجعل أمريكا عظيمة من جديد، حتى لو على حساب جيرانها وشركائها". وفي "مؤتمر ميونيخ الدولي للأمن" في فبراير 2020 هاجم الرئيس الألماني القوى الكبرى الثلاث: "إن أقرب حلفائنا الولايات المتحدة ترفض فكرة المجتمع الدولي".. "وقد جعلت روسيا من التغيير السافر لحدود القارة الجنوبية، أداةً سياسيةً من جديد".. "وتقبل الصين بالقانون الدولي على نحو انتقائي، عندما لا يتعارض ذلك مع مصالحها فحسب".. "وقد نتج عن ذلك انعدام ثقة أكثر، وتسليح أكثر، وأمن أقلّ، وكل هذا يُفضي إلى سباق نووي جديد".

ويوجز "باري بوزن" أستاذ العلاقات الدولية في "MIT" الاستراتيجية الأمريكية في عهد الرئيس ترامب بأنها بدأت بمقولات، وانتهتْ بنقيضها: "نادى ترامب بعدم التدخل الخارجي لأنّ ذلك أضرَّ بأمريكا، وضرورة الابتعاد عن مشاكل العالم، ذلك أن أمن العالم مكلّف وبلا عائد، وما يجب فعله هو العمل على جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. وهكذا نادى بالانعزالية التي سادت بين الحربين العالميتين، وعدم الاندماج في العولمة، أو التورط في قضايا خارجية. لكن ذلك لم يحدث، حيث لم يختلف الرئيس ترامب عن سابقيه، بل بدأت أمريكا تنخرط  أكثر في الخارج، وزادتْ حدّة التنافس الجيوسياسي مع القوى العظمى".

لقد صدرت دراسات رصينة في محاولة فهم الفكر الاستراتيجي لدى القوى الثلاث. ويمثِّل الكتاب الذي بين أيدينا لمؤلفته الدكتورة إنجي محمد مهدي أستاذ مساعد العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة - نموذجًا لتلك الدراسات الجادة في محاولة قراءة الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم في العقود الأخيرة.

إن كتاب "حروب واشنطن" هو أطروحة الدكتوراه التي حازت الباحثة بموجبها على الدرجة العلمية من جامعة القاهرة. وتتناول الدراسة السياقات القانونية والتاريخية والفكرية في الفكر الاستراتيجي الأمريكي المعاصر.

كلمات دالة

واشنطن، التدخل الانتقائي، الاستباق الأمريكي، آلية التصعيد قبل الانسحاب

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية