• Tuesday, 19 October, 2021
  • 07:46 AM
الرئيسية العالم

هل بدأ العد التنازلى للوبى الإسرائيلى فى أمريكا؟


  • أحمد المسلماني

  • 2020-12-23 20:09:54

هذه سطورٌ تطرح تصوراً بشأن قضيتيْن مهمتيْن: مصلحة مصر بين الحزبيْن الجمهورى والديمقراطى، وصعود وهبوط اللوبى الإسرائيلى فى أمريكا.

ليس صحيحاً أن مصلحة مصر تتطابق مع الحزب الجمهورى، وأنها تتناقض مع الحزب الديمقراطى. إن ألفاظاً من قبيل «تتطابق» و«تتناقض» لا يمكن وصفها بالعلميّة. فهناك دائماً مساحة للاتفاق وأخرى للاختلاف، وثالثة مسكوت عنها.

وفى تقديرى.. فإن مساحة التوافق بين القاهرة وبين الحزب الديمقراطى منذ عام 1952 وإلى الآن، هى أكبر من مساحة التوافق مع الحزب الجمهوري.

كانت مصر فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر تتجه يميناً، وذهب عبدالناصر إلى الغرب، وأراد التعاون مع البنك الدولى لأجل تمويل السد العالى.

إن الرئيس الجمهورى «دوايت أيزنهاور» هو الذى وقف ضد التوجه المصرى، ودفع مؤسسات التمويل الغربية إلى رفض إقراض مصر أو التعاون معها. كان الحزب الجمهورى والرئيس أيزنهاور هو من دفع مصر من اليمين إلى اليسار، وأغلق باب الغرب بحيث لم يجد عبدالناصر سوى الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية. وكانت أولى خطواته نحو الشرق صفقة الأسلحة التشيكية عام 1955.

كان أول استخدام جادّ لسلاح الإسلام السياسى فى العالم فى عهد الرئيس الجمهورى «رونالد ريجان». كان الزعيم النازى «أدولف هتلر» هو ثانى من فكَّر فى ذلك بعد بريطانيا، ولكن أول استخدام كبير لهذا السلاح كان فى عهد ريجان.

استضاف ريجان قادة الإسلام السياسى فى البيت الأبيض، وراح يوجِّه العقل الإسلامى فى العالم صوب أفغانستان، وجعل من «المجاهدين الأفغان» نموذجاً للمسلمين الأبطال، الذين يجب أن تحذو الأمة حذوهم. وفى أفغانستان تحولت البطولة فى مواجهة الغزو السوفيتى إلى حرب مروّعة بين فصائل المجاهدين، حيث قاتل الإسلاميون الإسلاميين، ثم كان إنتاج سلالات جديدة من المتطرفين: القاعدة وطالبان وداعش. ولا تزال الرؤية الريجانية - الجهادية.. تواصل عملها فى خطوط إمداد المتطرفين.

فى عهد الرئيس رونالد ريجان أيضاً جرى الحوار الجادّ بين واشنطن وجماعة الإخوان من أجل الوصول الجزئى أو الكلّى للسلطة.

بعد سنوات.. جاء الرئيس الجمهورى «جورج بوش الابن» ليقوم بتدمير المنطقة، وتسليمها إلى جماعات الإسلام السياسى الشيعية، والتى أيقظت بدورها جماعات الإسلام السياسى السنيّة.. لتتشكّل مأساة العراق وما حولها من لقاء الحضيض بين المتطرفين من الجانبيْن.

ثم جاء الرئيس الجمهورى «دونالد ترامب» الذى قدّم وعوداً للعالم العربى، فيها الضغط على إثيوبيا، وضرب إيران، ومكافحة التطرف. لكن الحقيقة لم تكن كذلك. فقد دعّم حليفه الموثوق «رجب طيب أردوغان» والجماعات المتطرفة فى غرب ليبيا، كما أنه لم ينجز شيئاً بشأن أديس أبابا. وأمّا إيران فقد ضاعفت من مستوى تخصيب اليورانيوم (12) ضعف ما كان وقت إدارة أوباما.

كان الرئيس الديمقراطى «جون كينيدى» فرصةً أخلاقية كبرى بالنسبة لنا، لكن الرئيس عبدالناصر أضاع هذه الفرصة. وأذكر أننى دخلت نقاشاً صاخباً مع الكاتب الأستاذ محمد حسنين هيكل بهذا الصدد، وكان من بين ما قلته له: لقد أضعتم فرصة تاريخية، لم تدركوا حجمها ولا قدرها.

كان الرئيس الديمقراطى «جيمى كارتر» هو من توافق مع الرئيس السادات، وظلَّ فى رعايته للمفاوضات المصرية - الإسرائيلية، حتى تمّ توقيع معاهدة السلام. وكان الرئيس السادات مقدِّراً للدور الذى قام به الرئيس كارتر.

أمّا الرئيس الديمقراطى «بيل كلينتون» فقد كان قريباً من الإدارة المصرية فى عهد الرئيس حسنى مبارك، كما أنه أول من قرَّر رعاية تأسيس لوبى إسرائيلى لمواجهة «الإيباك» وهو لوبى «جى ستريت»، الذى قام بالعمل على تأسيسه مستشار الرئيس كلينتون.

لم يكن الرئيس الديمقراطى «باراك أوباما» صاحب مشروع دعم الإسلام السياسى، لكنه وجد أن الأمور تمضى إلى هذا الاتجاه، فتغلبت النزعة البراجماتية الأمريكية، ونجح المتطرفون بإقناع إدارته بأن وجودهم فى السلطة سيكون الأنسب لمصالح الولايات المتحدة.

كان الرئيس أوباما مسانداً لمبارك فى الأيام الأولى لثورة يناير، وكذلك كانت هيلارى كلينتون. ولمّا غيّر أوباما موقفه بناءً على ثبات موقف الشارع المصرى، استمر بايدن فى موقفه، ورفض وصف مبارك بالديكتاتور، كما رفض وصف ما جرى بالربيع العربى. ببساطة: لقد صوّرت جماعات الإسلام السياسى لإدارة أوباما أنها تملك الشارع، وأنها وحدها القادرة على ضبط الأمور. وهنا اعتمدت واشنطن قواعد الفلسفة النفعيّة.

ولمّا قرر الشعب فى ثورة 30 يونيو أن الشارع للمصريين وليس للإخوان، لم يعارض أوباما الثورة، واتصل بالرئيس عدلى منصور. ولم تصف إدارته أبداً ثورة الشعب بالانقلاب. والبعض يخلط بين الإعلام الأمريكى الذى اتخذ موقفاً معادياً للثورة، وبين الرئاسة الأمريكية التى لم تتخذ -رسمياً- هذا الموقف. بل لقد شهدت القاهرة زيارات لمسئولين أمريكيين وعلى رأسهم وزير الخارجية جون كيرى.

الحاصل إذاً: أن مصلحة مصر لم تكن أقرب إلى الحزب الجمهورى، بل كانت أقرب نسبياً إلى الحزب الديمقراطى. لكنّ السياسة جوهرها المصلحة والتغيّر، والواقعية السياسية المتجدِّدة هى الأنسب فى العلاقات الدولية.

لقد كان لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى مع المرشحين: دونالد ترامب وهيلارى كلينتون، ثم محاولة الرئيس استيعاب حقبة ترامب بأفضل المكاسب وأقل الخسائر، ثم المبادرة بتهنئة الرئيس جو بايدن قبل إعلان فوزه الرسمى.. تطبيقاً للنهج المصرى فى التعامل مع واشنطن، والقائم على العقلانية والواقعية.

يردِّد كثيرون أن اللوبى الإسرائيلى هو الذى يحدد الرئيس الأمريكى. وهذا بالطبع غير صحيح، إنّه يؤثر ولا يحدِّد.

لكن ذلك التأثير الذى امتد عقوداً لم يعد كما كان. قام اللوبى الإسرائيلى بدعم المرشح الجمهورى «جون ماكين» ضد المرشح الديمقراطى باراك أوباما عام 2008. وقد انتصر أوباما على المرشح الجمهورى واللوبى الإسرائيلى. وفى 2012 قام اللوبى الإسرائيلى بدعم «ميت رومنى» ضد الرئيس أوباما، وقد خسر رومنى وخسر اللوبى الإسرائيلى. وفى 2016 قام اللوبى الإسرائيلى بدعم المرشحة الديمقراطية «هيلارى كلينتون» ضد المرشح الجمهورى الذى وصفه البعض بالعداء للسامية «دونالد ترامب». وقد فاز ترامب، وخسرت هيلارى وخسر اللوبى الإسرائيلى. وفى 2020 قام اللوبى الإسرائيلى بدعم الرئيس ترامب ضد المرشح الديمقراطى جون بايدن. وقد خسر ترامب وخسر اللوبى الإسرائيلى، بل إن (77%) من اليهود قاموا بانتخاب بايدن خلافاً لدعم حكومة نتنياهو واللوبى الإسرائيلى لدونالد ترامب.

فى عام 2012 لم يخسر اللوبى الإسرائيلى معركة دعم «ميت رومنى» ضد أوباما فحسب، بل وفى العام نفسه تم الاعتراف بفلسطين «عضو مراقب» بالأمم المتحدة بعد أن كانت فى وضع «كيان مراقب».

يرى البعض أن دور اللوبى الإسرائيلى فى التأجيج والدفع لغزو العراق عام 2003، وتحالفه مع المحافظين الجدد، وتزييف الحقائق، والادعاء بوجود أسلحة دمار شامل فى العراق، قد قلَّل كثيراً من مكانة اللوبى لدى الأمريكيين، ومنذ ذلك الحين بدأ العدّ التنازلى للوبى.

لا يمكن -بالطبع- اعتبار «الإيباك» منظمة ضعيفة، فهى تضم مائة ألف عضو من الحزبين، وتمارس نشاطاً مؤثراً كل ثلاثة أيام. ولا تزال تعمل على منع تراجع الدعم الأمريكى لإسرائيل. ولكن ما أقوله: إنها لم تعد بنفس قوتها السابقة.

يُضاف إلى ذلك.. أن اللوبى الإسرائيلى الممثَّل فى المنظمة الأخرى «جى ستريت» تناهض معظم آراء وسياسات الإيباك. إذ يعتمد اللوبى الإسرائيلى «جى ستريت» حلّ الدولتيْن، وعدم شرعية ضم المستوطنات.

لقد وصل الأمر بمحاولة بعض قادة الكونجرس إعادة النظر فى الاتفاق الأمريكى - الإسرائيلى 2016، والذى يتضمن تقديم مساعدات قيمتها (38) مليار دولار فى عشر سنوات.. من 2019 إلى 2028، بواقع (3٫8) مليار دولار سنوياً.

هناك ما يُسمى «تعديل هولن» حيث يريد السيناتور الديمقراطى «كريس فان هولن» ومعه آخرون تعديل اتفاق المعونات العسكرية الأمريكية لإسرائيل إذا لم توقف حكومة إسرائيل سياسات الضمّ، ومحاولات إلغاء مشروع الدولة الفلسطينية.

يقول «بيرنى ساندرز» القيادى البارز فى الحزب الديمقراطى: إن نقد حكومة إسرائيل اليمينية ليس عداءً للسامية. إن الدبلوماسى الأمريكى البارز «دينيس روس» وهو يهودى، يرى أن قرارات الضمّ لا تهدد الفلسطينيين فحسب، بل تهدد أمن إسرائيل أيضاً، ثم إنه يذهب إلى مدى أبعد ويقول: «إن سياسات إسرائيل تشكل تهديداً لمستقبل اليهود فى أمريكا».

 يرى البعض فى أمريكا أن الرئيس ترامب يشكِّل خطراً فكرياً، وتهديداً مستقبلياً لليهود فى الولايات المتحدة.

لا يتعلق الأمر بصعود النائبة «إلهان عمر» التى تنتقد إسرائيل، ولا بالنائبة «ألكسندريا كورتيز» التى فازت فى معقل النفوذ اليهودى فى نيويورك ضد مراسلة محطة "NBC" التى دعمها اللوبى الإسرائيلى بقوة، ولا بانتزاع «جمال بومان» ذى الأصل الأفريقى لمقعد الصديق القوى للوبى الإسرائيلى «إليوت إنجل» رئيس لجنة العلاقات الخارجية فى مجلس النواب، ولا لفوز «رشيدة طليب» ذات الأصل الفلسطينى المؤيدة لبيرنى ساندرز فى مجلس النواب عن إحدى دوائر ولاية ميتشيجان، ولا لصعود «ريما دودين» ذات الأصل الخليلى الفلسطينى إلى منصب مرموق فى البيت الأبيض ضمن الدائرة المحيطة بالرئيس بايدن.

لا يتعلق الأمر بهذا كله فحسب، بل يتعلق بصعود جناحيْن لا يمثل صعودهما خبراً جيّداً للوبى الإسرائيلى. إنه الجناح اليسارى فى الحزب الديمقراطى، واليمين المتطرف المؤيد للحزب الجمهوري.

يرى المثقفون اليهود فى الولايات المتحدة أن ترامب قد خدم حكومة إسرائيل، لكنه لم يخدم اليهود، بل إنه ساعد فى صعود اليمين المتطرف المعادى لليهود.

لقد رفض الرئيس ترامب إدانة النازيين الجدد، كما أنّ جزءاً مهماً من قاعدة ترامب المعادية للأجانب لديها أفكار أيضاً معادية لليهود. وقد تصاعدت الأعمال العدائية تجاه اليهود فى أمريكا عمّا قبل. وفى عام 2017 فرّ أعضاء معبد يهودى أمام ميليشيات للنازيين الجدد يحملون الصليب المعقوف، ولم تتم إدانتهم من البيت الأبيض. وحسب صحف أمريكية، فإن دعاة تفوّق البيض يرددون شعارات معادية لليهود، تم إحياؤها من الثلاثينيات فى القرن العشرين. وتشير إحصاءات إلى أن الهجمات المعادية لليهود قد قفزت فى عهد ترامب، حتى أصبحت هى الأعلى منذ (40) عاماً!

ولقد صُدِم قادة اليهود الذين حضروا لقاءً مع الرئيس ترامب خاطبهم فيه بقوله: «إسرائيل بلدكم».. مع أنهم مواطنون أمريكيون وليسوا إسرائيليين، ما أعطى انطباعاً بأن الرئيس الأمريكى لا يراهم جزءاً من النسيج الأمريكى.. بقدر ما قد يراهم «جالية إسرائيلية».

الحاصل إذاً.. أن صعود اليسار التقدمى فى الحزب الديمقراطى، وبعض ميليشيات النازيين الجدد.. فضلاً عن شعور الأمريكيين الأفارقة والإسبان بخذلان النخبة اليهودية لهم، واعتماد التحالف مع السلطة بدلاً من التحالف مع الأقليات.. يمثل تهديداً للحالة اليهودية المتميزة التى استقرت عقوداً طويلة فى سقف الإمبراطورية.

إن محاولات البعض فى «جى ستريت» وغيرها للاتجاه نحو الاعتدال، ليس الهدف منه حماية إسرائيل وحدها، بل حماية اليهود الأمريكيين أنفسهم - على نحو ما قال دينيس روس.

يبقى القول.. إن الحضور غير المسبوق لروسيا والصين فى الداخل الأمريكى، واتهام بايدن لترامب بدعم روسيا، واتهام ترامب لبايدن بدعم الصين.. قد جعل من اللوبى الإسرائيلى أقل بريقاً من ذى قبل، الأمر يشبه دخول لاعبين من كأس العالم إلى أرض الملعب، ما أدى إلى تراجع بريق اللاعبين المحليين.

يحتاج هذا الطرح إلى نقاش أوسع لدى المجتمع الفكرى فى مصر والعالم العربى. إن قراءة المشهد السياسى فى سياقه الفكرى هى أمر لازم لأجل وضع الخطى فى المكان الصحيح. إن عالم اليوم يتغيّر كثيراً، وتحتاج طريقتنا فى فهم هذه التحولات إلى أن تتغير هى الأخرى.

 

نقلًا عن صحيفة  "الوطن" المصرية



كلمات دالة

الحزب الجمهوري، الحزب الديمقراطي، مصر، اللوبي الإسرائيلي

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية