• Wednesday, 23 September, 2020
  • 03:39 PM
الرئيسية العالم

النهاية الفكرية للحرب العالمية الثانية


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-17 03:24:27

أثناء احتفالات ألمانيا برأس السنة الميلادية 2019.. ظهرت للمرة الأولى "ميليشيات" تابعة لليمين المتطرف.. تجوب الشوارع. قال رئيس بلديّة "أمبيرج" لوكالة الأنباء الفرنسية: "لقد أبلغت الشرطة عن تشكيل ميليشيات للدفاع الذاتي في المدينة".. ثم  أوضح: "أستطيع أن أفهم الشعور بعدم الأمان لدى جزء من السكان.. لكن الحقد والتهديد المتدفِّق من كلِّ أنحاء البلاد.. يتجاوز كلَّ الحدود".

نشر الحزب الوطني الديمقراطي "اليمين المتطرف" والقريب من التيار النازي.. صورًا لعددٍ من أعضائه، وهم يرتدون سترات حمراء عليها شعار الحزب. وصفت الصحف "ميليشيات السترات الحمراء" بأنها دوريّات أمنية تابعة لليمين المتطرف.. وخارج مؤسسات الدولة.

في رأس السنة 2019 أيضًا.. وفي مدينة "بوتروب" قام أحد المتطرفين الألمان بدهس مهاجرين بسيارته.. أصيب ثمانية أشخاص.. كلهم مهاجرون مسلمون.

وفي الأيام الأولى لعام 2019.. قالت صحيفة دي فيلت الألمانية: إن تفجيرًا وقع أمام مكتب حزب "البديل الألماني" اليميني المتطرف.. في بلدة "دوبلن" بولاية ساكسونيا. وأن السلطات ترِّجح أن تكون الأسباب السياسية وراء الحادث.

إن حزب "البديل لألمانيا".. هو الممثل الرسمي لتيار "اليمين المتطرف" في البلاد. لقد أصبح ثالث أكبر الأحزاب السياسية في أربع سنوات.. وأصبح أول حزب "يميني متطرف" يدخل البرلمان الألماني منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

كانت الحرب العالمية الثانية هى حرب اليمين المتطرف ضد اليمين.. حرب الفاشية والنازية ضد اليمين الأوروبي والأمريكي. ولقد تمَّ القضاء على أيديولوجيا ودول اليمين المتطرف بعد ثمانين ألف ساعة من الحرب، وسبعين مليونًا من القتلى.

لم يعد هناك يميني متطرف واحد في كل أوروبا بمقدوره أن يرفع صوته، أوْ أنْ يجهر بما يعتقد. بدَا الأمر وكأنَّ أودلف هتلر كان "النازي الأخير".. وأنه لا نازيّ بعده. وليس من الممكن أبدًا أن تعود أفكار الثلاثينيات إلى العالم من جديد.

مضت سبعون عامًا.. وبدَا أن نتائج الحرب العالمية الثانية قد انتهتْ، وأن البناء الفكري الذي تأسَّس بعد الحرب العظمى بدأ في التصدِّع والانهيار.

لقد كان من نتائج الحرب: صعود الشيوعية العالمية وتنامي قوة الاتحاد السوفيتي ليتقاسم النفوذ العالمي مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهنا انتهتْ "الإمبريالية الكلاسيكية" التي مثلتها فرنسا وبريطانيا لأزمنةٍ طويلة .

كانت هزيمة "النازية" وصعود "السوفيتية" وانحسار "الإمبريالية الكلاسيكية" لصالح "أوروبا الأمريكية".. بمثابة المثلث الفكري لأيديولوجيا ما بعد الحرب.

لقد مضتْ عقود على الاستقرار الأيديولوجي الجديد.. ثم كان انهيار الاتحاد السوفيتي مثل إمبراطوريةٍ من الفخار، وظهور النازيين الجدد، وتصدع الحلف الأوروبي الأمريكي.

كانت مياه الأطلسي تتسِّع رويدًا رويدًا.. حتى أصبحت المسافة السياسية بين ضفتيْه أبعد من أىّ وقتٍ مضى. انتهت أوروبا الأمريكية لتعود أوروبا الأوروبية.. الشرق شرق والغرب غرب من جديد.

وفي عهد الرئيس ترامب انتقل ذلك التباعد الجيوسياسي إلى العلن.. وبدأ الرئيس الأمريكي يتحدث عن ضرورة أن تدفع أوروبا مقابل بقاء "أوروبا الأمريكية".. وبدورها راحت ألمانيا وفرنسا تعملان على إدارة وضع ما بعد الانفصال الأمريكي.. وجرى الحديث عن حلف عسكري أوروبي لا ينتظر الإنقاذ الأمريكي الذي قد لا يجيء.

 

لقد انتهى المثلث الفكري الذي حكم العالم إذن.. عادتْ النازية.. من خلال مقدماتٍ متعددة.. اقتضتْ اللياقة وصفها باليمين المتطرف وصعود الشعبويّة. ورحلت الشيوعية لتصبح روسيا الرأسمالية والصين الرأسمالية في مواجهة أمريكا الرأسمالية. كما أن الغرب قد بات يشهد ما يمكن تسميته "خريف الناتو".. البعض يشتري السلاح من روسيا.. والبعض لم يعد يثِق في الحليف البعيد.

وهكذا.. يتغير الفكر السياسي العالمي.. وتتغير الرؤى الحاكمة لعالم اليوم عمّا كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية. إن "نهاية الشيوعية" و"صعود النازيّة" و"خريف الناتو".. يشكلِّون معًا.. النهاية الفكريّة للحرب العالمية الثانية.

ذات يوم من صيف عام 1945 انتهى الزلزال.. وبقيت التوابع. تشكَّل عالم جديد في حقبة التوابع..  أو حقبة ما بعد الزلزال. واليوم يشهد العالم نهاية التوابع.. وإرهاصات عالم جديد. يختلف "عالم ما بعد التوابع" كثيرًا عن "عالم ما بعد الزلزال".. لكنّه قد لا يختلف كثيرًا عن عالم الزلزال نفسه. إن التوقُّع الذي لا نريد أن نتوقعه هو.. انهيار العالم وعودة الدمّ من جديد. سيكون مفزعًا للغاية لو كانت النهاية الفكرية للحرب العالمية الثانية هى ذاتها البداية الفكرية للحرب العالمية الثالثة.

 

 

نقلًا عن صحيفة "الأهرام" 



كلمات دالة

التطرف، الإسلام، الحرب العالمية الثانية، ميلشيات السترات الحمراء، الشيوعية، اليمين المتطرف

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية