• Wednesday, 08 July, 2020
  • 07:15 AM
الرئيسية افريقيا

حيث لا وزنَ للذهب.. حدثَ في سيراليون


  • أحمد المسلماني

  • 2019-07-16 19:53:47

هل تريد أن تعرف موجز تاريخ سيراليون المعاصر؟.. إنها ثلاثُ حقِب: حقبة الحرب الأهلية، حقبة الكوليرا، حقبة الإيبولا.. والآن تجْمع سيراليون أحزانها بعد موت المئات في أوحال الانزلاقات الطينية.. وهى الانزلاقات التي جاءتْ لتضيف طبقةً جديدةً إلى جبل المأساة.. في ذلك البلد الغني جدًا والفقير للغاية!                               

تقع سيراليون  في غرب أفريقيا، وتقع عاصمتها "فريتاون" على ساحل المحيط الأطلسي.. يعيش الملايين السبعة من سكانها على مساحة تزيد عن مساحة مملكة بلجيكا.

يقول مؤرخون.. إن رحالة برتغالي هو من أطلق اسم "سيراليون".. و"سيرا" بمعنى القمة و"ليون" بمعنى الأسد.. ذلك أن صوت الرياح عند قمم الجبال تشبه زئير الأسد.

لم يكن تاريخ سيراليون قريبًا من "قمم الأسد".. بل كان حقًا "قمم الألم".. من احتلال بريطاني.. إلى اضطرابات وحروب.. إلى أمراض وأوبئة.. في بلد يتمدّد فيه الثراء على امتداد البصر!

إن المرء ليتعجب كيف أصبحت دولةً رائعةً ساحرةً تمتلئ بكل شئ.. فوق الأرض وتحت الأرض.. كيف أصبحت من أكثر الأماكن بؤسًا في العالم؟                                             

في سيراليون أكبر مناجم الماس في العالم.. ومن مناجمها خرجت أكبر قطعة ماس والتي قاربت الألف قيراط. وفيها أيضًا.. مناجم ذهب عديدة.. ويستخرج بعض السكان الذهب من فناء المنزل حيث يشرعون في الحفر بالأيدي.. وفيها أيضًا البلاتين والنفط.. كما أن فيها مناجم حديد كبرى حيث يقبع في أراضيها ثالث أكبر احتياطي حديد في العالم.

إن الماس والذهب والبلاتين والحديد والنفط.. تتزاحم بالقرب من مواقعها.. مناجَم لأكثر من عشرين معدنًا آخر!

ثمة غابات وزراعات.. ومحاصيل وأخشاب.. وكلها وسط طبيعة رائعة ومياه ساحرة. لكن سيراليون الغنية هذه.. لا يظهر فيها أى أثرٍ للرخاء.. ولا حتى قواعد الحياة.. هناك فقر شديد يجثم على نفوس الملايين، ويعيش أكثر من نصف السكان في منازل بلا مرحاض مستقل، ويوجد طبيب واحد لكل أربعين ألف نسمة.

ما الذي جرى؟.. من الذى قام بتخريب هذا الوطن الخلاّب وجعله على هذا النحو المروِّع؟!

الفاعل ليس مجهولاً، والجريمة ليست غامضة.. إنّه الاستعمار.

ثمّة محاضرة باهرة لأستاذة الاقتصاد السيراليونيّة "مالينس ويليامز" تشرح ما حدث. درست "مالينس" في باريس ولندن وسنغافورة.. وهربتْ من الحرب الأهلية في بلادها ثم عادت لتساعِد وطنها من جديد.. وفي منتدى أوروبي عُقد في ألمانيا شرحتْ "مالينس" حقيقة ما جرى.

يمكننا إيجاز "نظرية مالينس" على النحو التالي: الغرب يريد الماس والمناجم.. الغرب يشعل الفتنة من أجل أن يعمل في أجواء انقسام.. الغرب يدفع الفتنة إلى حافة القتال.. الغرب يرعى الحرب الأهلية.. الغرب يمنع نهايتها ويطيل أمَدَها قدر الإمكان.. الشعب يهرب أو يموت والغرب يأخذ الماس والذهب.. الغرب يدفع للمقاتلين ليعملوا معه في الاستخراج والتهريب.. تقوم المصالح بين أطراف الحرب الأهلية جميعًا وبين الغرب.. الماس مقابل السلاح.. الماس للغرب والسلاح للشعب.. المحلات الفاخرة والحفلات الساهرة هناك، والمقابر الجماعية وصدقات الصليب الأحمر هنا.. هى معادلة سهلة صاغها الغرب: لنا المناجم ولهم الدماء!

كان طبيعيًا والحال كذلك.. أن يهرب الناس.. وأن يتزاحموا في ملاذاتٍ شبه آمنة.. وحيث لا إمكانات للحياة.. ولا مرافق للاستخدام.. كانت حقبة الكوليرا.. ثم جاءت حقبة الإيبولا.

تقول "مالينس".. إن المنظمات الإنسانية تأتي إلينا.. لتُظهِر سيراليون بأنها دولة فقيرة مريضة ضائعة ولا أمل فيها.. لتخلق الإحباط واليأس في قلوب الناس، وتقتل الكرامة والأمل لدى الأجيال الجديدة.

يأخذ الغرب الماس، ويرسل المنظمات الإنسانية. يذهب المال.. وتبقى قطع من القطن الطبي وحشدٍ من كاميرات التصوير.. يرى العالم.. ماذا يفعل الغرب من الخير وماذا يقدم من المساعدة؟.. يأخذ الغرب كل شئ.. ويرسل ضمّادات الجروح.. إن "مالينس" محبطة للغاية، إنها تقول: إن المنظمات الإنسانية الغربية هى جزء من المؤامرة.

 

 

 

 

من مقال أحمد المسلماني "حيث لا وزن للذهب.. حدث في سيراليون"، نقلًا عن صحيفة "المصري اليوم" المصرية

 

 

 

                                      

 



كلمات دالة

سيراليون، غرب افريقيا، الذهب، الالماس، الإقتصاد

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية