• Wednesday, 08 July, 2020
  • 07:02 AM

الفلاسفة الجُدد


  • أحمد المسلماني

  • 2020-03-15 03:07:13

قامت معادلة "الحداثة والسياسة" في مصر على التعاون بين "الحاكم والمفكر".. وعلى تحالف "السلطة والفلسفة".

قال لي الأديب الكبير "بهاء طاهر": كان "رفاعة الطهطاوي" هو فيلسوف عصر محمد علي.. ولولا "الطهطاوي" لكان الزعيم محمد علي باشا "مجرد ديكتاتور".. وعلى ذلك فإن تميّز "التجربة السياسية" لـ"محمد علي" أساسها تميُّز "التجربة الفكرية" لـ"رفاعة الطهطاوي". كان "رفاعة الطهطاوي" هو العقل السياسي الحاكم.. الذي جعل من النهضة الشاملة مشروعًا للدولة المصرية. وقد استمر هذا الوضع الخلاّق فيما بعد عقودًا طويلة.

كان الإمام "محمد عبده" مستشارًا للزعيم "أحمد عرابي".. وكان الأستاذ "عباس محمود العقاد" هو فيلسوف عصر "سعد زغلول".. كما كان "الدكتور طه حسين" هو فيلسوف عصر "مصطفى النحاس".

هكذا صاغت هذه الثنائيات العملاقة عصر النهضة المصري: "محمد علي + رفاعة الطهطاوي".. "أحمد عرابي + محمد عبده".. "سعد زغلول + عباس العقاد".. "مصطفى النحاس + طه حسين".

لم يعد مناسبًا في الوقت الراهن أن يكون هذا التحالف الثنائي أساسًا للحداثة والسياسة في مصر.. بل من الأنسب أن يتم إطلاق موجة فكرية، ومدرسة عقلية كاملة.. لتساعد الدولة في ترميم الفكر المصري.. وصياغة العقل العربي. يمكن للمفكرين الجُدد في مصر أن يساهموا في ترميم الفكر المصري، وصياغة العقل العربي.. والإسهام في الأطروحات السائدة في عالم اليوم.

حين عملتُ مستشارًا للرئيس عدلي منصور.. أطلقتُ مبادرة "الفلاسفة الجُدد" ضمن المبادرة الأشمل "تجديد النخبة".. وطرحتُ تأسيس "منتدى الفلاسفة الجُدد" في مصر.. لأجلِ لمّ شمل الفلاسفة والمناطقة.. وأركان العقل المصري.

التقيتُ في إطار المبادرة عددًا من الباحثين الشباب البارزين في حقل الفلسفة والمنطق في الجامعات المصرية.. وقلت: "إنّ المجال العام في بلادنا يحتاج إلى رفع المستوى الفكري، وإعادة الاعتبار لسلطة العقل وسيادة المنطق".

تمثَّل الهدف من المنتدى.. في أن يتم دفع العقول الفلسفية الرفيعة إلى صدَارة المشهد الفكري في البلاد.. ووصْل ما انقطَع مع الفكر الإنساني والمدارس الفلسفية في العالم.. ذلك أن غياب الفكر النظري والأفكار الكليّة لسنواتٍ طويلةٍ.. قد أدّى إلى إغراق الفكر المصري في الجزئيات والتفاصيل. ثم بفِعل الدور المتصاعد للإعلام والإعلام الجديد.. أصبح معظم الفكر الوطني محاصرًا بالسطحيَّة وقشورِ المعرفة.

إنها مسافةٌ شاسعةٌ بين المستوى الفكري السائد والمستوى الفكري السابق.. كما أنها مسافةٌ شاسعةٌ بين المستوى الفكري السائد.. والمستوى الفكري في العالم.. إنها مسافةٌ في الجغرافيا وفي التاريخ معًا. ويحتاج هذا الفراغ بين العصر الذهبي للفكر المصري إلى حركة من الفلاسفة الجُدد تملأ ذلك الفراغ.. وتستعيد ذلك العقل الفائت.. ليكون حاضرًا وموازيًا للفكر العالمي.

وإنّه لمن المؤسف للغاية ألاّ تصدُر في القاهرة الدوريات الفلسفية الرصينة، والحوليّات الفكرية الرفيعة.. وألاّ تنطلق من القاهرة.. الأطروحات والأفكار الكبرى.. وألاّ تتردَّد في جنباتِ بلادنا.. أفكار وفلسفات العالم الجادّة.

إنّه لمن المؤسف أيضًا.. أن ينخفِض الطلبُ على الفِكر إلى هذا الحدِّ الخطير، وأن يرتفع الطلب إلى مستويات قياسية على ثقافة الثرثرة.. وإيديولوجيا اللاشئ.

إنَّ كسْر حالة الخُمول الفكري والكسَاد الثقافي في بلادنا يحتاجُ إلى دعم حركة الفلاسفة الجُدد.. سواء أولئك الذين يمكنهم – في المستقبل – أن يمتلكوا مشروعات فلسفية.. أو أولئك الذين يمكنهم أن يمتلكوا "مواقف فلسفية".

لقد حفِلت المدرسة الفلسفية المصرية بقاماتٍ رفيعةٍ.. من أصحاب "مواقف فلسفية" ذات وزن.. مثل فؤاد زكريا وعاطف العراقي ومراد وهبة وحمدي زقزوق.. أو من أصحاب "مشروعات فلسفية" ذات مكانة.. مثل عبد الرحمن بدوي وحسن حنفي وسمير أمين وعبد الوهاب المسيري وزكي نجيب محمود.

إن قائمة كبار المفكرين المصريين لتطولُ إلى ما لا نهاية.. من أسماءٍ جادةٍ.. بذلتْ جهودًا مخلصَةً في التأليف والترجمة.. وفي الإبداع والشرح.. وفي الصّناعة والصّياغة. وقد حان الوقت لإعادة "تجديد العقل المصري".. عبْر إعادة "تقديم العقل المصري".

 

 

 

 

من كتاب أحمد المسلماني "الهندسة السياسية"، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة. النص أساس لحلقة نقاشية بعنوان "حالة الفلسفة السياسية في مصر"



كلمات دالة

الفلسفة، السلطة، مصر، الفلاسفة

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية