• Friday, 04 December, 2020
  • 04:59 PM
الرئيسية العالم

أمريكا الاشتراكية.. الفكر والسياسة في القوة العظمى


  • أحمد المسلماني

  • 2020-02-17 03:19:55

أمريكا واحدة أمْ أكثر؟.. وأىّ الأمريكات ستقودُ المستقبل؟

قام التاريخ الأمريكي على "الهندسة السياسية".. الحزب الواحد، ثم الحزبان الأشبه بجناحيْن في حزب واحد.

كان أكبر مقومات الدولة الأمريكية طيلة الصعود الكبير هو "الأمن الإيديولوجي".. حيث لا أخطار فكرية  كبرى.. ولا إيديولوجيات مهدِّدة. وحيث الخلافات بين الحزبيْن وبين النخبتيْن.. هو خلافٌ في التفاصيل، واشتباك في المُنمنمات.. وحين يزيد الخلاف وتتسع المساحات فإنها تكون في العادة حول سياسات ورؤى خارج الحدود.. حيث العالم مسرحًا للتجارب دون أن تكون الولايات المتحدة مسرحًا لأىِّ تجربة.. أو موضعًا لأىّ انقسام.

وحين أطلَّ الحزب الشيوعي الأمريكي ذات يوم كبديلٍ لكلِّ النظام.. ومثَّل بجديّة تهديدًا  لـ"الأمن الفكري" في الولايات المتحدة.. جرى تدميره دون هوادة.. كما تمَّ سحْق كلِّ لجانه وأعضائه من دون أدنى تردّد. وبعد عقود من سطوع الحزب الشيوعي الأمريكي وتجاوز عضويته المائة ألف رفيق.. يقبع الحزب اليوم في الطابق السابع في عمارة صغيرة في شارع "ويست 24".. دون أن يدرك سكان الأدوار الأرضية شيئًا.. عمّن يقطنون في الطابق قبل الأخير.

تقوم الرأسمالية على الملكيّة الخاصة، وتقوم الاشتراكية على الملكية العامة.. وبينما تسعى الرأسمالية إلى الربح.. تسعى الاشتراكية إلى المساواة.

الشركات الخاسرة في النظام الرأسمالي يجري إغلاقها، وفي النظام الاشتراكي تستمر لأنها تخدم المجتمع. تعارض الرأسمالية تدخل الحكومة لتصحيح الأخطاء.. وترى الاشتراكية ضرورة تدخل الحكومة بكل قوة.. للضبط والتصحيح.

إن الولايات المتحدة الأمريكية هى قائدة الرأسمالية في العالم.. وبعد أن أصبحت السياسات الاقتصادية للصين وروسيا هى الأخرى  رأسمالية إلى حد كبير.. لم تعد هناك قوة مهمة تمثل الاشتراكية في العالم المعاصر.

لكنّ أمريكا الرأسمالية باتتْ تشهد غزوًا اشتراكيًّا لأفكارها وسياساتها.. لقد تبدّت بعض الملامح في عهد الرئيس باراك أوباما.. ثم تضاعفت الملامح الاشتراكية في عهد الرئيس ترامب.

إن الملياردير دونالد ترامب الذي يقف مع الأغنياء وينتمي إليهم.. راحَ يطبق سياسات الحماية، ويناهض المبادئ الأساسية لحرية التجارة.

في عهد الرئيس أوباما تدخلت الدولة لمنع شركات وبنوك من الانهيار أثناء الأزمة المالية العالمية. وقدَّم الرئيس مشروعه للتأمين الصحي "أوباما كير".. الذي كان من بين أسباب وصف الجمهوريين للرئيس أوباما بالرئيس الاشتراكي.

ولمّا جاء الرئيس ترامب بدت الكثير من سياساته الاشتراكية.. ولقد كان خطابه الشهير بعد الفوز يحمل من فكر اليسار أكثر مما يحمل من فكر اليمين. كانت رؤية الرئيس ترامب كالتالي:

  1. يجب إعادة توزيع الثروة على المواطنين كافة.. السياسات السابقة مجزرة يجب توقفها.
  2. يجب النهوض بالصناعة الوطنية، وإعادة تشغيل المصانع المغلقة، وردّ حقوق المهمشين من أبناء الشعب.
  3. إنّنا لا ننقل السلطة اليوم من إدارة إلى إدارة، ولا من حزب إلى حزب.. إنّنا ننقل السلطة من العاصمة واشنطن، ونعيدها للشعب. اليوم أصبح الشعب هو حاكم البلاد مرة أخرى.. إن البلاد موجودة لخدمة مواطنيها.
  4. في مدن الداخل أمهات وأطفال يحاصرهم الفقر، ومصانع ضربها الصدأ.. تنتشر مثل شواهد القبور في أنحاء بلادنا. اشتروا المنتجات الأمريكية ووظفوا المواطنين الأمريكيين.
  5. لدينا نظام تعليمي يمتلك الكثير من المال.. ولكنه يترك طلابنا بدون معرفة.
  6. ستبني الدولة الطرق والجسور والمطارات والأنفاق وخطوط السكك الحديد.. سنرفع المواطنين من "المعونات" إلى "العمل".. سنعيد بناء بلادنا بأيدٍ أمريكية وبعمالٍ أمريكيين.
  7. سنحمي الاقتصاد الأمريكي.. إن الحماية ستقود إلى ازدهار عظيم وقوةٍ عظيمة.
  8. الوحدة هى أساس القوة.. عندما تكون أمريكا موّحدة لا شئ يقف في وجهها.. دقّت ساعة العمل.. لا تسمعوا لأى شخص يقول لكم إنّ ذلك ليس ممكنًا.

إن هذه الرؤية للرئيس ترامب لا تختلف كثيرًا عن الفكر الاشتراكي.. ثم أنها تتقارب - على نحو واضح - مع أطروحات بيرني ساندرز بشأن "النيواشتراكية".

في عام 2011 كان شعار حركة "احتلوا وول ستريت".. "نحن الـ99%". وفي عام 2014 أجرت هيئة الإذاعة البريطانية حوارًا مع رئيس "الحزب الشيوعي الأمريكي".. ورغم اعترافه بمأزق الحزب في الحاضر إلّا أنه لايزال يرى أنّ الاشتراكية لاتزال ممكنة: "إن الحزب الآن هو كابينة هواتف صغيرة.. لكنها تتوسِّع". وفي عام 2016.. جاءت أطروحة القيادي في الحزب الديمقراطي "بيرني ساندرز" في مواجهة "النيوليبرالية" صارخة ومدويّة.. وكان الشباب الأمريكي وطلاب الجامعات.. أكثر قبولاً لها من أيّ  أطروحة أخرى في السنوات الأخيرة.

أراد "بيرني ساندرز" قطع طريق رونالد ريجان الذي قطع طريق فرانكلين روزفلت.. وبدأ "عهدًا جديدًا" من الفكر السياسي الأمريكي. كانت "مدرسة فرانكلين روزفلت" هى السائدة منذ أزمة الكساد الكبير عام 1929.. حيث أقرّ إصلاحات اقتصادية واسعة.. أعطى فيها دورًا كبيرًا للحكومة في السوق، وفي إيجاد فرص عمل للعاطلين.. كما فرض الضرائب التصاعدية.. وصحَّح من أوضاع الطبقة الوسطى. وقد سُميّت مجمل سياساته بـ"العهد الجديد".

ثم جاءت مدرسة رونالد ريجان لتنهي مدرسة فرانكلين روزفلت.. ولتبدأ إيديولوجيا رأسمالية متطرفة لاتزال تحكم الولايات المتحدة.. إنها النيوليبرالية.

حاول "بيرني ساندرز" والذي خسر ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأمريكية أمام هيلاري كلينتون.. إنهاء "النيوليبرالية" والعصر الريجاني، والعودة إلى "الروزفلتية".. أو بدء حقبة فكرية جديدة تنهي الحقبة النيوليبرالية.

تحدّث "الروزفلتيون الجدد".. أو "الاشتراكيون الجدد" عن إيديولوجيا توازن بين الرأسمالية والاشتراكية - مثل النموذج الاسكندنافي - حيث مجانية الصحة والتعليم.. بعد أن فشلت النيوليبرالية في تحسين أداء الصحة والتعليم بعد سياسات الخصخصة.

وصف "بيرني ساندرز" نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي.. وانضمَّ إلى المنظمة الاشتراكية الديمقراطية عشرات الآلاف من أنحاء أمريكا. وهى منظمة تعمل ضدَّ الحزبيْن الحاكميْن النيوليبرالييْن.. واللذيْن قادَا أمريكا إلى "إنعدام الأمن الاقتصادي للغالبية العظمى من الشعب".

تدعو "الاشتراكية الجديدة" إلى دور أكبر للحكومة في تنظيم الأسواق، وفرض المزيد من الضرائب على الأغنياء، وإعادة بناء الطبقة الوسطى الآخذة في التآكل.. وتطبيق مجانية التعليم الجامعي في الجامعات الحكومية، والرعاية الصحية دون مقابل للجميع. كما تدعو "الاشتراكية الجديدة" إلى إعادة النظر في طرق تمويل الحملات الانتخابية، وتقليل دور البنوك والشركات الكبرى.. في تمويل المرشحين.

إنّ "النيواشتراكية" التي تريد أن تواجه "النيوليبرالية".. تجد على الجانب الآخر تحديًّا موازيًّا.. "النيونازية".

تأسَّست النازية الأمريكية في ديترويت عام 1974. واليوم فإن الخريطة النازية في أمريكا تشمل: الحزب النازي الأمريكي. كما تضم الحركة الاشتراكية القومية.. التي تضع "أودلف هتلر" في مكانةٍ سامية.. وترى أن الدستور الأمريكي كتبه القادة البيض للشعب الأبيض. وتضم النازية الجديدة أيضًا "التحالف الوطني".. الذي قام أحد أعضائه بتفجير أوكلاهوما عام 1995، وتضم كذلك "المقاومة الآرية البيضاء".. التي روَّجَت لتفوق الجنس الأبيض. وتُصدر صحيفة شعارها: "الصحيفة الأكثر عنصرية على وجه الأرض".

ويرى خصوم الرئيس ترامب.. أن الحركات النازية تجد متسعًا أكبر للحركة والعمل في ظلّ رئاسته. حيث أصبح اليمين المتطرف الأمريكي أكثر ثقةٍ وقوةٍ من أىّ وقتٍ مضى. وقد وصل القلق الأمريكي من صعود النازية إلى الرئيس السابق باراك أوباما الذي قال إن سياسات الرئيس ترامب تشبه ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن العشرين.. وأنَّ هناك خطرًا على الديمقراطية في أمريكا.. ففي عهد "فايمار" كانت الديمقراطية مزدهرة في أمريكا.. لكن هذا لم يمنع النازيين من الاستيلاء على السلطة.. وخوض حربٍ عالمية راح ضحيتها (60) مليون إنسان.

توازت "العولمة" ونقيضها في عهد الرئيس ترامب.. أصبحت في عهده شركة آبل أول شركة تريليونية في التاريخ.. حيث زادت قيمتها في أغسطس 2018 عن التريليون دولار. إن شركة آبل ليست الشركة التريليونية الوحيدة.. ذلك أن شركتيْ أمازون وجوجل هما أيضًا شركات تريليونية.

إن قيمة الشركات الثلاث زادتْ عن الثلاثة تريليونات دولار.. وهو ما يزيد عن اقتصاد دولة أفريقية كبيرة مثل إثيوبيا مائتي مرة!

لكن الحرب التجارية والسياسات الحمائية.. وهى نقيض العولمة قد صعدت أيضًا في عهد الرئيس دونالد ترامب. لم يتردَّد الرئيس في وصف سياساته بالحرب التجارية.. كما أنه لم يتردَّد في فرض الرسوم الجمركية ثم المزيد منها.. على الرغم من شكاوى الصين إلى منظمة التجارة الدولية.

ترى الإدارة الأمريكية أن الصين تمضي في طريقها لتصبح الاقتصاد الأول في العالم. وأنَّ الصين تخوض حربًا باردةً.. وهى تسعى لإزاحة أمريكا إلى المركز الثاني، واحتلال موقعها في قيادة الاقتصاد العالمي.

إن المركز الأول اقتصاديًا لا يعني اقتصار الأمر على الاقتصاد.. وإنما ستترتب أوضاع عسكرية واستراتيجية بناءً على تبادل المواقع في سقف الاقتصاد العالمي. وبينما تردّ الصين بأنه لا خوف من صعودها الاقتصادي، وأن الصين ليست دولة استعمارية، وأنها لن تمارس في القرن الحادي والعشرين السياسات الإمبريالية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر.. يرى البعض أنَّ الحرب لا تنشأ بالضرورة لأسباب حقيقية.. وأن مجرَّد الخوف من صعود المنافسين قد يؤدي إلى حرب.. وعلى ذلك فإنَّ فقدان أمريكا للنفوذ والهيمنة هو - بذاته - سبب كافٍ للحرب.

بدأتْ واشنطن تفرض سياسات حمائيةً ضد الصين.. سلعة وراء أخرى، ونسبةً مئوية وراء أخرى. كما جرى الحديث عن مناهضة أمريكا للتوسِّع الاستخباراتي الصيني.. وطالبتْ أجهزة أمنية أمريكية بمنع عمل شركة "تشاينا موبايل" في الولايات المتحدة.. وكذلك وقف استخدام الهاتف الصيني الشهير "هاواوي" نظرًا لاستخدام الاستخبارات الصينية للشركة والهاتف.. في التجسس على ملايين الأمريكيين.

كانت الصين على الجانب الآخر تتحدث عن حرية التجارة.. وعن التحديات الخطيرة التي تواجهها منظمة التجارة العالمية.. وعن خطورة تبني أمريكا السياسات الحمائية التجارية على النظام الرأسمالي العالمي، وعن الهوس الأمريكي بنظرية المؤامرة. بدَا المشهد أشبه بحالةٍ من التبادل الإيديولوجي "أمريكا الاشتراكية والصين الرأسمالية".

في أوروبا كان الموقف مشابهًا.. تدافع أوروبا عن حرية التجارة، وتدافع واشنطن عن الحمائية. رأتْ ألمانيا في السياسات الأمريكية تدميرًا للاقتصاد الأوروبي.. وأنَّ ثمة حصار أمريكي على أوروبا.. من المهاجرين إلى الجمارك.. ومن العقوبات على روسيا، إلى العقوبات على إيران.. وأن مجمل السياسة الأمريكية تقود إلى إضعاف أوروبا.. وإلى إنهاء الاستفادة الأوروبية من النظام الرأسمالي العالمي وحرية الأسواق الدولية.

كان الرئيس دونالد ترامب واضحًا عند الضفة الأخرى.. قال: "إنَّ تصرفات الاتحاد الأوروبي سيئة مثل الصين".. "إنهم يصدرون إلينا سيارات المرسيدس وبي إم دبليو.. ولا يأخذون منتجاتنا الزراعية والصناعية".. "أوروبا تقتل التجارة الأمريكية.. من المستحيل أن نكسب منهم.. هم يبيعون عندنا، ونحن لا نبيع عندهم.. يجب أن ينتهي ذلك".. "أمريكا تحمي أوروبا.. وأوروبا لا تدفع لنا.. أوروبا تعطي المليار لروسيا.. هذا أمر غير مقبول".

نجحت سياسات الرئيس ترامب في نصف عهده الأول.. وأصبح الرئيس يتحدث عن تحقيقه "معجزة اقتصادية" بسبب سياساته الحمائية. كان معدل النمو يدور حول (2%) تجاوز (4%).. وكانت البطالة تدور حول (10%) أصبحت (4%).. نمتْ الوظائف بشكل قياسي، وقامت المصانع الأمريكية بأكبر حركة توظيف منذ عشرين عامًا.. وقالت صحيفة نيويورك تايمز: "الاقتصاد الأمريكي في أفضل حالاته منذ 10 سنوات".

يقول خصوم الرئيس إنه انتعاش مؤقت.. لكن ذلك لا يبدو مؤثرًا.. ذلك أن الاقتصاد عمومًا هو اقتصاد مؤقت.. والثبات ليس من طبائع النتائج الاقتصادية في أىِّ بلد.

تُعيد أمريكا النظر في الفكر السياسي السائد، والنظرية السياسية الحاكمة.. ووسط الإعادة ظهرت: النيوليبرالية، والنيونازية، والنيواشتراكية.

إن أمريكا تبحث عن أمريكا.. أىّ أمريكا من الأمريكات المتنافسة.. أمريكا الليبرالية، أم أمريكا النيوليبرالية.. أمريكا الاشتراكية، أم أمريكا النيواشتراكية.. أمريكا اليمينية المتطرفة أم أمريكا النيونازيّة.

إن مستقبل أمريكا هو إلى حدٍّ كبير مستقبل العالم.. ونتائج الصراع بين واشنطن وموسكو وبكين وبروكسل.. يكاد يعادل نتائج الصراع في حرب عالمية.

إن هذه الورقة "أمريكا الاشتراكية" هى بمثابة إضاءة - محدودة - أمام الدراسات المستقبليّة.. للإجابة على السؤال الأهم في عالم اليوم: منْ يحكُم النصف الثاني من القرن الحادي والعشرين؟.

 

 

نقلًا عن صحيفة "المصري اليوم" المصرية



كلمات دالة

الولايات المتحدة الأمريكية، الإدارة الامريكية، ترامب، الإقتصاد، السياسة الأمريكية

أحمد المسلماني


مؤسس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية

تواصل معنا

الكتاب

أحمد المسلماني

الكاتب السياسي والمستشار السابق لرئيس الجمهورية

متابع جديد

الموقع الأفضل للبحوث والدراسات الاستراتيجية